شيخ محمد قوام الوشنوي
153
حياة النبي ( ص ) وسيرته
وقال الحلبي « 1 » : فلمّا اجتمع الناس خرج رسول اللّه ( ص ) بهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، وحمل رايته علي بن أبي طالب ، وسار بالناس حتّى نزل بهم ، وصلّى العصر بفنائهم وقد تحصّنوا وقاموا على حصنهم يرمون بالنبل والحجارة إلى أن قال : ولمّا جاء وقت العشاء رجع رسول اللّه ( ص ) إلى بيته في عشرة من أصحابه عليه الدرع وهو على فرس ، واستعمل على المعسكر علي بن أبي طالب ويقال أبا بكر ، وبات المسلمون يحاصرونهم ويكبّرون حتّى أصبحوا ، ثم أذّن بلال بالفجر ، فغدا رسول اللّه ( ص ) في أصحابه الذين كانوا معه ، فصلّى بالناس وأمر بلالا فضرب القبّة - وهي قبّة من خشب عليها مسوح - فدخل ( ص ) فيها ، وكان رجل من يهود يقال له غزول - وكان أعسر راميا يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره فوصل نبله تلك القبّة ، فأمر بها فحوّلت ، وفي ليلة من الليالي فقد علي بن أبي طالب قرب العشاء ، فقال الناس : يا رسول اللّه ما نرى عليّا . فقال : دعوه - أي اتركوه - فانّه في بعض شأنكم ، فعن قليل جاء برأس الرجل الذي يقال له غزول الذي وصل نبله قبّة رسول اللّه ، وكان كمن له علي حين خرج يطلب غرّة المسلمين ومعه جماعة ، فشدّ عليه فقتله وفرّ من كان معه ، فأرسل رسول اللّه ( ص ) مع علي أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة ، فأدركوا أولئك الجماعة الذين كانوا مع غزول ، وفرّوا من علي فقتلوهم . إلى أن قال : وأمر رسول اللّه ( ص ) بقطع النخيل وبحرقها بعد أن حاصرهم ستّ ليال ، وقيل خمسة عشرة يوما ، وقيل عشرين ليلة ، وقيل ثلاثا وعشرين ليلة ، وقيل خمسا وعشرين ليلة . وكان سعد بن عبادة في تلك المدّة يحمل التمر للمسلمين - أي يجاء به من عنده - واستعمل على قطع النخيل أبا ليلى المازني وعبد اللّه بن سلام ، وكان أبو ليلى يقطع العجوة وعبد اللّه يقطع اللين ، ويقال له اللوز وهو ما عدا العجوة . إلى أن قال : وفي لفظ قالوا : يا محمد زعمت انّك تريد الصلاح ، فمن الصلاح قطع النخل ، وهل وجدت فيما زعمت انّه أنزل عليك الفساد في الأرض ؟ وقالوا للمؤمنين : انّكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون ، وحينئذ وقع في نفوس بعض المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل اللّه تعالى
--> ( 1 ) السيرة النبوية 2 / 265 .