شيخ محمد قوام الوشنوي

227

حياة النبي ( ص ) وسيرته

لي دليلا يدلني على طريق المدينة واشتر لي راحلة ، ثمّ مضى رسول اللّه ( ص ) وأعمى اللّه أبصارهم الذين كانوا يرصدونه عنه ، وخرج عليهم رسول اللّه ( ص ) . إلى أن قال : وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى عليّا فسأله عن نبي اللّه فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال : إن كان بك فيه حاجة فالحقه . فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبي اللّه ( ص ) في الطريق ، فسمع رسول اللّه جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين ، فأسرع رسول اللّه ( ص ) المشي فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها ، وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول اللّه ( ص ) فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول اللّه فقام حتّى أتاه ، فانطلقا ورجل رسول اللّه ( ص ) تستن دما ، حتّى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه . وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم فدخلوا الدار ، وقام علي عن فراشه ، فلمّا دنوا منه عرفوه فقالوا له : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري أو رقيبا كنت عليه ، أمرتموه بالخروج فخرج . فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثمّ تركوه ، ونجّى اللّه رسوله ( ص ) من مكرهم وأنزل عليه في ذلك وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية . وقال ابن هشام « 1 » : فلمّا كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه فيثبون عليه ، فلمّا رأى رسول اللّه ( ص ) مكانهم قال لعلي بن أبي طالب : نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم . وكان رسول اللّه ( ص ) ينام في برده ذلك إذا نام . إلى أن قال : فلم يبرحوا كذلك حتّى أصبحوا ، فقام علي عن الفراش فقالوا : واللّه لقد كان صدقنا الذي حدثنا . قال ابن إسحاق : وكان مما أنزل اللّه عزّ وجلّ من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ « 2 » وقول اللّه عزّ وجلّ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . قُلْ تَرَبَّصُوا

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام 2 / 126 . ( 2 ) سورة الأنفال / الآية 30 .