شيخ محمد قوام الوشنوي

222

حياة النبي ( ص ) وسيرته

قال الحلبي : دار الندوة من جهة الحجر عند مقام الحنفي الآن ، وكان لها باب إلى المسجد اعدّت للاجتماع للمشورة ، وكانت قريش لا تقضي أمرا إلّا فيها ، وكانوا لا يدخلون فيها غير قرشي إلّا أن بلغ أربعين سنة بخلاف القرشي ، وقد أدخلوا أبا جهل ولم تتكامل لحيته ، وكان اجتماعهم في يوم سبت ، ولذا ورد يوم السبت يوم مكر وخديعة ، وكان اجتماعهم هذا ليتشاوروا فيما يصنعون في أمر النبي ( ص ) وكان المجتمعون مائة رجل وقيل خمسة عشر ، وكان يسمّى ذلك اليوم عندهم يوم الزحمة ، لأنه اجتمع فيه أشراف بني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد الدار وبني عبد أسد وبني مخزوم وبني جمح وبني الحرث وبني كعب وبني تيم وغيرهم ، ولم يتخلف من أهل الرأي والحجى عنهم أحد ، وجاءهم إبليس في صورة شيخ نجدي فوقف على باب الدار في هيئة شيخ جليل عليه كساء غليظ ، وقيل طيلسان من خز ، فقالوا : من الشيخ ؟ قال : من نجد ، سمع بالذي قعدتم له فحضر ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يعدمكم رأيا ونصحا . قالوا : ادخل . فدخل ، وانّما تمثّل في صورة شيخ نجدي لأنهم قالوا : لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل التهامة لأن هواهم مع محمد فلذلك تمثّل بصورة نجدي وتهيأ بهيئة تعظم في عيونهم . ثمّ قال بعضهم لبعض : انّ هذا الرجل - يعني النبي - قد كان من أمره ما رأيتم وإنّا واللّه لا نأمنه على الوثوب بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا . فقال قائل - وهو أبو البختري بن هشام - : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثمّ تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله . فقال النجدي : ما هذا برأي واللّه لو حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلا تشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثمّ يكاثروكم به حتّى يغلبوكم على أمركم ، فانظروا في غيره . فقال أبو الأسود ربيعة بن عمرو العامري ولم يعلم له إسلام : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فلا نبالي أين ذهب . فقال النجدي لعنه اللّه : ما هذا برأي ، ألم تروا إلى حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، واللّه لو فعلتم ذلك ما آمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله حتّى يتابعوه عليكم ثمّ يسير بهم إليكم حتّى