شيخ محمد قوام الوشنوي

218

حياة النبي ( ص ) وسيرته

قريش تذامرت على أن يفتنوهم ويشتدّوا عليهم ، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنونهم ، فأصابهم جهد شديد وكانت الفتنة الآخرة ، وكانت فتنتين : فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم بها وأذن لهم في الخروج إليها ، وفتنة لمّا رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة . إلى أن قال : فلمّا أذن اللّه عزّ وجلّ لرسوله ( ص ) في القتال ونزل قوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ « 1 » وبايعه الأنصار على ما وصفت من بيعتهم أمر رسول اللّه ( ص ) أصحابه بمن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار ، وقال : انّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها . فخرجوا إرسالا وأقام رسول اللّه ( ص ) بمكة ينتظر أن يأذن له ربّه بالخروج من مكة . ثمّ قال : ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلّا أخذ وحبس أو فتن إلّا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة . وقال ابن هشام : وكان رسول اللّه ( ص ) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء ، انّما يؤمر بالدعاء إلى اللّه والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل ، وكانت قريش قد اضطهدت على من اتبعه من المهاجرين حتّى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم ، فهم من بين مفتون في دينه ومن بين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فرارا منهم ، فمنهم من بأرض الحبشة ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه . فلمّا عتت قريش على اللّه عزّ وجلّ وردوا عليه ما أرادهم من الكرامة وكذبوا نبيّه وعذّبوا ونفوا من عبده ووحّده وصدّق نبيّه واعتصم بدينه أذن اللّه عز وجل لرسول اللّه ( ص ) في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم فكانت أول آية أنزلت في اذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغي عليهم فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول اللّه تبارك وتعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ

--> ( 1 ) سورة الأنفال / الآية 39 .