شيخ محمد قوام الوشنوي
138
حياة النبي ( ص ) وسيرته
رجوع المهاجرين في الهجرة الأولى إلى مكة كان سبب رجوعهم على ما رواه الطبري وابن الأثير ومحمد بن سعد « 1 » : انّهم سمعوا إسلام المشركين وسجودهم مع النبي ( ص ) بعد قرائته لسورة النجم ، فلما رجعوا وقربوا من مكة بلغهم خلاف ما سمعوا ، فأتمروا بينهم في الرجوع إلى أرض الحبشة . ثمّ قالوا : قد بلغنا ندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثمّ يرجع . وروى محمد بن سعد « 2 » عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : دخلوا مكة ولم يدخل أحد منهم الّا بجوار ، الّا ابن مسعود فانّه مكث يسيرا ثمّ رجع إلى أرض الحبشة . . . الخ . أقول : وقد أعرضنا عن قصة الغرانيق لعدم صحتها أصلا وعدم انطباقها لقواعد الإسلام رأسا ، لأنها من غرائب الأوهام وعجائب الموضوعات ، وأئمة القوم ومحققوهم قد أعرضوا عنها على ما حكاه عنهم الحلبي في السيرة « 3 » حيث قال : ومن ثمّ قيل هذه القصة طعن في صحتها جمع وقالوا انّها باطلة وضعها الزنادقة ، ومن ثمّ أسقطها القاضي البيضاوي . ومن جملة المنكرين لها القاضي عياض ، فقد قال : هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ، وانّما أولع به المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب . وقال البيهقي : رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم . وقال الإمام النووي نقلا عنه : وأمّا ما يرويه الأخباريون والمفسرون انّ سبب سجود المشركين مع رسول اللّه ( ص ) ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم ، فباطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل ، لأن مدح اله غير اللّه كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول اللّه ( ص ) ولا أن يقوله الشيطان على لسان رسول اللّه ، ولا يصح تسليط الشيطان على
--> ( 1 ) الطبقات لابن سعد 1 / 206 ، الكامل 2 / 77 . ( 2 ) الطبقات لابن سعد 1 / 206 . ( 3 ) السيرة الحلبية 1 / 326 .