محمد الريشهري
357
حكم النبي الأعظم ( ص )
وعندما نطلّ على المسألة من زاوية نظرة دقيقة تنفذ إلى الأعماق ، سندرك أنّ الإسلام استطاع من خلال هذا المنهج استيعاب الغرور الفطري للإنسان واحتوائه وتوجيهه ، ومن ثَمّ استطاع أن يؤمّن له منافعه الواقعية وما يرنو إليه على المدى البعيد ، فالإنسان الذي يعيش الإيثار ويمارسه إنّما يبني ذاته ويُحسن لنفسه ويُؤمّن مصالحه الحقيقية الدائمة ، وبتعبير القرآن الكريم : " إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ " . « 1 » على عكس ذلك تماما تأتي الحصيلة في مناخات الثقافة المادّية ؛ فالمادّيون والأنانيون المستأثرون يضعون مصيرهم في مهبّ الريح ويعرّضون أنفسهم للضياع ويخسرون منافعهم الحقيقية الدائمة ويبدّدونها ، وبحسب التصوير القرآني النافذ لهذه الحالة ؛ أنّ هؤلاء ينسون أنفسهم ويخسرونها بنسيانهم اللّه : " نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ " . « 2 » على هذا الضوء ، فإنّ اتّساع ثقافة الإيثار واطّرادها داخل المجتمع لا يهدّد المنافع الشخصية للمؤثرين فحسب ، بل يحوّلهم إلى أحبّاء للّه « 3 » وللناس « 4 » ، ويؤهّلهم إلى نيل أفضل ضروب الحياة وأسماها في عالَم الآخرة ودار الخلود « 5 » ؛ فضلًا عن النتائج الموضوعية التي يحقّقها في الواقع الخارجي متمثّلة باجتناب مناشئ الفساد الاجتماعي واستئصالها ، ومن ثَمّ تأمين المنافع المادّية والمعنوية للمجتمع الإنساني . لقد أوجز القرآن الكريم في خاتمة آية الإيثار ، البركات الفردية والاجتماعية
--> ( 1 ) الإسراء : 7 . ( 2 ) الحشر : 19 . ( 3 ) راجع : موسوعة ميزان الحكمة : ج 1 ( الإيثار / الفصل الأوّل : الحث على الإيثار : ح 3 و 4 ) . ( 4 ) راجع : موسوعة ميزان الحكمة : ج 1 ( الإيثار / الفصل الأوّل : بركات الإيثار : ح 44 ) . ( 5 ) راجع : موسوعة ميزان الحكمة : ج 1 ( الإيثار / الفصل الثالث : بركات الإيثار : الدخول في أعلى مراتب الجنة ) .