محمد الريشهري
639
حكم النبي الأعظم ( ص )
أَيُّها النّاسُ ! إنَّ اللّهَ قَد أعاذَكُم مِن أَن يَجورَ عَلَيكُم ، وَلَم يُعِذكُم مِن أَن يَبتَلِيَكُم . « 1 » وممّا يجدر ذكره أنّ الاختبار الإلهي ليس الهدف منه الكشف عن الحقيقة المجهولة له أو للآخرين ، بل لكي ينمّي مواهب الإنسان الدفينة بإرادته واختياره ، بحيث ينكشف ما في داخله تلقائيّا ، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام : أَلا إنَّ اللّهَ قَد كَشَفَ الخَلقَ كَشفَةً ، لا أَنَّهُ جَهِلَ ما أَخفَوهُ مِن مَصونِ أسرارِهِم ومَكنونِ ضَمائِرِهِم ، وَلكِن لِيَبلُوَهُم أَيُّهُم أَحسَنُ عَمَلًا ، فَيَكونَ الثَّوابُ جَزاءً وَالعِقابُ بَواءً . « 2 » فروح الإنسان تنصقل وتقوى من خلال المصائب ؛ كجسمه ، ولهذا روي عن الإمام عليّ عليه السلام ردّا على ما يظنّه بعض الناس من أنّ الحياة في ظلّ الظروف الصعبة والتغذية البسيطة تؤدّي إلى ضعف الجسم وعجزه ، قوله : أَلا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَّةَ أَصلَبُ عودا ، وَالرَّواتِعَ الخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلودا ، وَالنّابِتاتِ العِذيَةَ أَقوى وَقودا وَأَبطَأ خُمودا . « 3 » إنّ الهدف من المصائب والمشاكل الّتي يواجهها أهل الإيمان في ظلّ النظام الحكيم الّذي يسود العالم هو تربية المواهب الباطنة وتكاملها ، وفي الحقيقة فإنّ اللّه تعالى يغذّي أرواح أوليائه في هذا العالم بالبلاء ، كما نرى ذلك في العبارة الجميلة التالية المرويّة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : إنَّ اللّهَ لَيُغَذّي عَبدَهُ المُؤمِنَ بِالبَلاءِ ، كَما تُغَذِّي الوالِدَةُ وَلَدَها بِاللَّبَنِ . « 4 » كما أنّ كلّ من كان أقرب إلى الحضرة الإلهيّة سقي أكثر من كؤوس البلاء ، كما جاء في الحديث النبويّ :
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 103 . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 144 . ( 3 ) نهج البلاغة : الكتاب 45 . ( 4 ) راجع : موسوعة العقائد الإسلاميّة : ج 6 ح 6488 .