محمد الريشهري
606
حكم النبي الأعظم ( ص )
وفي الواقع فإنّ أمثال هؤلاء الأشخاص يحاولون صرف هذه الأحاديث عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام الذين اصطفاهم اللّه من العترة الطاهرة ، وتأويلها وتطبيقها على الجهلة وحكّام الجور . لقد روى ابن أبي الحديد أنّ عبداللّه بن عمر عندما امتنع عن بيعة علي عليه السلام قصد الحَجّاج في تلك اللّيلة ليبايع عبد الملك بن مروان ، حتّى لا يبيت ليلته بدون إمام ، لحديث النبيّ صلى اللّه عليه وآله : " مَن باتَ بِغَيرِ إمامٍ ماتَ ميتَةً جاهِلِيَّةً " ، فبلغ من احتقار الحجّاج له واسترذال حاله أن أخرج رجله من الفِراش فقال : إصفق بيدك عليها ! « 1 » على هذا الأساس فإنّ المهم في الحديث هو دلالته وليس صدوره عن النبي صلى اللّه عليه وآله « 2 » . ومن أجل الوقوف على مفاد الحديث ينبغي تحديد المراد بلفظ " الجاهليّة " الوارد فيه . إنّ عصر الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله في منظار الثقافة الإسلامية هو عصر العلم ، بينا يعتبر العصر الذي سبقه عصر الجاهليّة ، بمعنى أنّ الفترة المتقدّمة على بعثة النبيّ صلى اللّه عليه وآله كانت فترة غياب لمصادر الإشعاع والهداية التي يمكن للناس من خلالها معرفة حقائق الوجود ، وذلك بسبب التحريف الذي لحق الأديان السابقة ، والذي حوّلها إلى خرافات وأوهام تحكم المجتمعات باسم الدين ، فقد تحوّلت تلك الأديان المحرّفة والعقائد الوهميّة في الواقع إلى وسيلة لهيمنة سلطة القهر والقوّة على الإنسان ، وهذه حقيقة يشهد لها تأريخ ما قبل الإسلام أيضا . لقد مثّل عصر النبيّ صلى اللّه عليه وآله بداية عصر العلم ، وإنّ أهم المسؤوليّات التي نهض بها
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : ج 13 ص 242 . ( 2 ) قال العلّامة الأميني : " هذه حقيقة راهنة أثبتتها الصحاح والمسانيد فلا ندحة عن البخوع لمفادها ، ولا يتمّ إسلام مسلم إلّا بالنزول لمؤدّاها ، ولم يختلف في ذلك اثنان ، ولا أنّ أحدا خالجه في ذلك شكّ ، وهذا التعبير ينمّ عن سوء عاقبة من يموت بلا إمام وإنّه في منتأىً عن أيّ نجاح وفلاح ، فإنّ ميتة الجاهليّة إنّما هي شرّ ميتة ، ميتة كفر وإلحاد ( الغدير : ج 10 ص 360 ) .