محمد عبد العزيز الخولي
46
الأدب النبوي
وقال صاحب المختار : الملئ الثقة ويقال : الملي بلا همز تسهيلا . والإضافة في مطل الغني من إضافة المصدر لفاعله . وقيل من إضافته لمفعوله وهو بعيد . الشرح : مما يحقق الثقة بالمرء أداؤه لحقوق الناس ولو لم يكن من كبار المثرين . ومما يزلزل الثقة أو يزيلها تلكؤه في أداء الحقوق ولو كان في مقدمة الأغنياء الموسرين . والثقة رأس مال كبير تسهّل للمرء طرق أبواب التجارة وإن كان ماله قلا « 1 » . وتقرّب إليه جيوب الناس وخزائنهم وإن لم يكن مليا . فلا جرم حذرنا الرسول صلى اللّه عليه وسلم مما ينزع الثقة بالمرء من نفوس الناس وهو المماطلة . ولقد عرّف علماء الأخلاق العدل بأنه إعطاء كل ذي حق حقه . ولما كانت مماطلة الغني القادر على الدفع وتأخره في أداء الحقوق منعا للحق عن صاحبه عدها الرسول صلى اللّه عليه وسلم ظلما فالمماطل ظلم غيره بتأخير حقه بدون عذر . بل ظلم نفسه إذ حرمها الثقة ، وعرضها للطعن والثلب في الحياة الدنيا ، ولعقوبة اللّه في الحياة الآخرى . فمن كان مدينا في تجارة ، أو في متاع اشتراه ، أو كان قبله حقوق لرعيته أو لمن تحت يده إن كان ملكا أو أميرا أو رئيسا أو وزيرا أو كان عليه نفقة لزوجه ، أو والده أو ولده ، أو قريبه أو عبده ، أو كان عليه زكاة أو ضريبة مشروعة ، وحل موعد الدفع وتلكأ « 2 » والمال في جيبه أو تحت يده - كان ظالما - بل قال بعض الفقهاء : لو أمكنه الاكتساب لسداد الدّين فتركه كان ظالما فاسقا . فالواجب على المستطيع بأي طريق كان أداء الحق متى حل أجله . ولو لم يطالبه به أهله . بل لو أمكنه الدفع قبل الموعد بادر إليه تبرئة لذمته . ورحمة لنفسه من ذل الدّين وهمه . وربما عسر عليه غدا ما تيسر له الساعة . والمال غاد ورائح . أما إن كان عاجزا عن الأداء فليس بظالم . بل لا يعد مماطلا . والواجب على الدائن في هذه الحال - إن كان له دين - وفي قلبه رحمه . أحد أمرين : إما مهلة وإما صدقة وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 3 » .
--> ( 1 ) قلا : قليلا . ( 2 ) تلكأ : أبطأ . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 280 .