محمد عبد العزيز الخولي
11
الأدب النبوي
خيرا فخير ؛ وإن شرا فشر ؛ وإن شريفة فشريفة ؛ وإن وضيعة فوضيعة ؛ ولا تبديل لذلك ، وهذا هو معنى الحصر أو القصر . وذهب بعض الشرّاح إلى أن معنى العبارة : صحة الأعمال بالنية ؛ أي إنها لا تكون معتبرة في نظر الشارع ؛ مترتبة عليها آثارها إلا بالنية . فالوضوء أو التيمم مثلا لا يعتبران شرعا بحيث تؤدى بهما الصلاة أو يباح بهما مس المصحف إلا إذا سبقتهما أو صاحبتهما النية ؛ أما بدون النية فلا عبرة بهما فالنية على هذا التقدير لا بد منها في المقاصد كالصلاة والحج ، والوسائل كالوضوء والتيمم . وقدّر بعضهم : كمال الأعمال بالنية ولذلك لم يشترطها في الوسائل وإن شرطها في المقاصد ؛ وما قررناه أولا هو الظاهر وهو الذي يلائم التفريع الآتي . وإذا عرفت أنّ درجة الأعمال من درجات نياتها ، وكان لكل عمل جزاء سعادة في الدنيا ؛ ونعيم في الآخرة ؛ أو خلافهما : بيّن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالجملة الثانية أن لكل إنسان جزاء ما نواه ؛ فمن كانت نيته ثواب اللّه ومرضاته فله ذلك ؛ ومن كانت نيته شرا فله الويل ؛ ومن نوى عرضا دنيويا محضا فلاحظ له في الثواب ، وقد أفاد الحصر في هذه الجملة أن ما لم ينوه المرء لا شيء له أو عليه منه . الهجرة : الإنتقال من مكة دار الكفر إلى يثرب دار الإسلام وكانت من أبر الأعمال يوم كانت مكة في أيدي المشركين إذ بها يتمكن المسلم من إقامة شعائر الدين كاملة ؛ ويستمع الوحي الذي كان يترى « 1 » نزوله ؛ ويتعلم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما هو نور له يسعى بين يديه ؛ وينضم إلى فئة المسلمين المجاهدين ؛ فيزيدهم قوة إلى قوة ؛ ولما فتح المسلمون مكة سنة ثمان ؛ وأصبحت دار إيمان لم تبق حاجة إلى الهجرة اللهم إلا هجرة من دار كفر وبغي إلى دار إيمان وعدل للشرع فيها قيام ، وللمسلمين عزة وسلطان ؛ فتلك لا تزال باقية إلى يوم القيامة وقد بيّن الرسول صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث - تطبيقا على القاعدتين السابقتين - أن الهجرة من الناس ليست بدرجة واحدة عند اللّه ؛ فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ؛ أي يقصد بها خدمة الدّين ؛ وإعلاء كلمة اللّه بتعلم كتابه وسنة رسوله ؛ والعمل بهما ؛ وإقامة سلطانهما ، والتمكين لهما - فهجرته إليهما أي هي الهجرة الحقة ، التي تنبغي لكل مسلم مخلص ؛ والتي
--> ( 1 ) يترى : أترى : عمل أعمالا متواترة بين كل عملين فترة .