د حافظ أحمد عجاج الكرمي
79
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء ، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة اللّه تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فباق لا ينسخ » « 1 » . ولا شك في أن التوارث كان لمعالجة ظروف طارئة مرت بها الدعوة الإسلامية في المدينة ، فكان هذا إجراء إداريّا سريعا للتغلب على هذه المشكلة ، ومن المنتظر أن يكون المهاجرون قد ألفوا جو المدينة وتعرفوا إلى سبل الرزق فيها « 2 » . وأصابوا من غنائم بدر ( 2 ه ) ما سد حاجتهم ، فرجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية والقائم على أساس الرحم والقرابة . ويلاحظ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أولى اهتماما كبيرا للناحية الاقتصادية لارتباطها بالكيان السياسي ، وقد كانت قبائل اليهود تحتكر التجارة والأسواق وبيدهم عصب الاقتصاد في المدينة ، ومثل هذا الوضع يجعلهم دولة داخل دولة وكان هناك عدة أسواق « 3 » أشهرها سوق بني قينقاع ، وكان هذا السوق هو السوق الرئيسي للمدينة ، وكان العرب ( الأنصار ) يتعاملون فيه بيعا وشراء . لقد تنبه النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى خطورة هذه السيطرة اليهودية ، فكان لابد من إجراء إداري سريع يحوّل هذه السيطرة للأمة الجديدة ، فيروى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذهب إلى أكبر سوق لليهود فألقى عليه نظرة فاحصة ، ثم بحث عن مكان اخر في المدينة يعدل هذا السوق أو يفوته في المساحة والمركز والنظام « 4 » . فقد روى ابن ماجة ( ت 275 ه ) : « أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه ؟ . قال : بلى ، فقام معه حتى جاء موضع السوق ، فلما راه أعجبه وركض برجليه ، وقال : « نعم سوقكم هذا فلا ينتقض ولا يضربن عليكم خراج » « 5 » . ويذكر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « ذهب ابتداء إلى سوق النبك ، فنظر إليه فقال : « ليس لكم هذا بسوق » ثم رجع إلى
--> ( 1 ) مسلم ، الصحيح ( ج 4 ، ص 1960 ) ( في الهامش ) . ( 2 ) العمري ، المجتمع المدني ( خصائصه وتنظيماته ) ( ص 77 ) . ( 3 ) منها سوق بزباله ، وسوق بالجسر ، وسوق بالصفاصف بالقصبة ، وسوق في منطقة تسمى مزاحم ، وهذه أسماء أماكن في المدينة المنورة . انظر : السمهودي ، وفاء الوفا ، ( ج 1 ، ص 539 ) . ( 4 ) أحمد محمد ، الجانب السياسي في حياة الرسول ( ط 1 ) الكويت ، دار القلم ، ( 1402 ه ) ، ( ص 69 ) . ( 5 ) ابن ماجة ، أبو عبد اللّه بن يزيد القزويني ( ت 275 ه ) ، سنن ابن ماجة ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، د . ت ( ج 2 ، ص 751 ) ، ( قال ابن ماجة : ضعيف ) . وانظر : الكتاني ، التراتيب الإدارية ( ج 2 ، ص 164 ) .