د حافظ أحمد عجاج الكرمي
80
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
هذه السوق فطاف به ثم قال : « هذا سوقكم » « 1 » . ويلاحظ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يراقب الأسواق بنفسه وقد طلب بعض الصحابة من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أن يسعر للناس ، ولكن الرسول امتنع من ذلك ، فقد مر النبي صلّى اللّه عليه وسلم برجل يبيع طعاما في السوق بسعر أرفع « 2 » من سعر السوق فقال : « تبيع في سوقنا بسعر هو أرفع من سعرنا ؟ ! » قال : نعم يا رسول اللّه . قال : « صبرا واحتسابا ؟ » قال : نعم يا رسول اللّه . قال : « أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل اللّه ، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب اللّه » « 3 » . واستطاع المسلمون بحسن تعاملهم أن يحوّلوا الناس من سوق اليهود إلى سوقهم مما جعل كعب بن الأشرف اليهودي ( ت 3 ه ) يدخل إلى سوق المسلمين ويقطع أطنابها « 4 » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا جرم لأنقلنّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا » فنقلها من موضع بقيع الزبير إلى سوق المدينة » « 5 » . ولعل هذا الأسلوب التهجمي الصارم الذي اتبعه كعب ابن الأشرف ( ت 3 ه ) كان في أوائل أشهر الهجرة حيث لا يزال لليهود نفوذ قوي ، ويلاحظ أيضا أن كعب بن الأشرف شعر أن مصالح اليهود الاقتصادية قد أصبحت في خطر نتيجة منافسة السوق الجديد . لقد كان هذا التصرف من كعب - وهو من يهود قينقاع - حافزا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن يفكر جديّا بطرد اليهود من المدينة ، وكان بنو قينقاع أول من طرد « 6 » وبعدها استطاع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يمسك بزمام الاقتصاد المدني ويوجهه الوجهة الإسلامية الخالية من كل استغلال وجشع . وكان من أعظم الإجراات الإدارية التي قام بها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة القيام بكتابة دستور المدينة الذي ينظم العلاقات بين سكانها ، ويعد ذلك
--> ( 1 ) الكتاني ، التراتيب الإدارية ( ج 2 ، ص 163 ) . ( 2 ) أرفع : أي أقل من سعر السوق . ( 3 ) السمهودي ، وفاء الوفا ( ج 1 ، ص 546 ) . ( 4 ) أطنابها : الأطناب جمع طنب ، وهي ما يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق ، انظر : ابن منظور ، اللسان ( ج 1 ، ص 561 ) . ( 5 ) السمهودي ، وفاء الوفا ( ج 1 ، ص 539 ، 540 ) . ويبدو أن هذا التصرف وغيره من التصرفات العدائية جعلت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يفكر باغتيال كعب بن الأشرف ( سنة 3 ه ) وبالفعل تم اغتياله من قبل مجموعة من المسلمين . انظر : ابن هشام ، السيرة ( م 2 ، ص 151 ) . ( 6 ) صالح أحمد العلي ، إدارة الحجاز في العهود الإسلامية الأولى ، مجلة الأبحاث ، بيروت ، الجزء ( 21 ) أذار ، ( 1968 م ) ، ( ص 31 ، 32 ) .