د حافظ أحمد عجاج الكرمي
78
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
ليشد بعضهم بعضا ولا سيما أن المهاجرين تركوا كل المقومات الأساسية للحياة في مكة « 1 » . وهكذا كانت المؤاخاة خطوة مهمة في توحيد المجتمع الجديد تضاف إلى ما سبقها من خطوات ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد فكر جديّا بنظام يحل محل نظام « الأحلاف » الذي كان سائدا في الجاهلية فوضع نظام المؤاخاة بديلا عن ذلك . لقد قدم الأنصار للمهاجرين أكثر مما توقعوه إذ « قالت الأنصار للرسول صلّى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه ؛ اقسم بيننا وبينهم النخل . قال : « لا » . قال : « تكفونا المؤنة وتشركونا في التمر » . قالوا : سمعنا وأطعنا » « 2 » . لقد دلّت الروايات على أن المهاجرين عملوا في مزارع الأنصار مقابل أجرة معينة عن طريق المزارعة « 3 » . ولم يقتصر كرم الأنصار على ذلك ؛ بل وصل إلى حد أن قال سعد ابن الربيع ( ت 3 ه ) لعبد الرحمن بن عوف ( ت 32 ه ) أخيه في النظام الجديد : « إني أكثر الأنصار مالا فاقسم مالي نصفين ، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها . قال : بارك اللّه لك في أهلك ، أين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع » « 4 » ، وكان هذا التكافل الرائع هو القوة الوحيدة التي يمتلكها المجتمع المسلم في البداية ، ومن ثم فإن هذا الإجراء كان ضروريّا لتفادي وقوع المهاجرين في مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة ؛ ولا سيما أنهم يتقنون التجارة في حين كانت المدينة دار صناعة وزراعة « 5 » . كان المتاخون يتوارث بعضهم بعضا ، فلما عزّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أنزل اللّه سبحانه وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [ الأحزاب : 6 ] « 6 » . فنسخت هذه الآية ذلك التوارث الذي أقر بموجب نظام المؤاخاة ، وبقي من معاني المؤاخاة النصر والنصيحة ، وإلى هذا يشير الإمام النووي ( ت 676 ه ) بقوله : « أما
--> ( 1 ) ابن حبيب ، المحبر ( ص 70 - 75 ) . الزرقاني ، المواهب ( ج 15 ، ص 373 ) . ( 2 ) البخاري ، الصحيح ( ج 5 ، ص 39 ) . النووي ، شرح صحيح مسلم ( ج 12 ، ص 99 ) . ( 3 ) البخاري ، الصحيح ( ج 5 ، ص 39 ) . مسلم ، الصحيح ( ج 3 ، ص 141 ) . ( 4 ) البخاري ، الصحيح ( ج 5 ، 39 ، 88 ) . قال السمهودي : « إن السوق كانت في بني قينقاع ، ثم حول السوق بعد ذلك » . انظر : السمهودي ، وفاء الوفا ( ج 1 ، ص 539 ) . ( 5 ) البخاري ، الصحيح ( ج 5 ، ص 39 ، 88 ) . أحمد إبراهيم الشريف ، الدولة الإسلامية الأولى ، دار القلم ، سنة ( 1965 م ) ، ( ص 67 - 69 ) . ( 6 ) انظر : الزمخشري ، الكشاف ( ج 2 ، ص 170 ) . أبا حيان ، البحر المحيط ( ج 4 ، ص 523 ) . السيوطي ، الدر المنثور ( ج 4 ، ص 117 ) .