د حافظ أحمد عجاج الكرمي
70
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
يثرب التي يكثر فيها اليهود ولهم دور كبير في خلخلة أمنها واستقرارها . لقد مكث مصعب في يثرب عاما واحدا استطاع خلاله أن يوجد قاعدة صلبة للدين الجديد ، تمثل ذلك في عدد المؤمنين الذين جاؤوا إلى الموسم في مكة للالتقاء مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويبايعوه البيعة الثانية والتي سميت « بيعة العقبة الثانية » « 1 » . لقد كان أمر التهيئة لمباحثات البيعة قد تم بتخطيط دقيق وفيها تم تحديد معالم الدولة الجديدة وقيادتها ، فقد تحرك الوفد اليثربي إلى مكة بسرّية تامة ، فلم يكن أحد من قومهم يعلم بهدف خروجهم ، ولما وصلوا مكة « تواعدوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أواسط أيام التشريق في منى » « 2 » ، وكان التخطيط النبوي يقتضي أن يخرج هؤلاء لموعد اللقاء خروجا منظما . يقول كعب بن مالك ( ت 50 ه ) : « حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نتسلل تسلّل القطا » « 3 » . ويشير ابن سعد ( ت 230 ه ) إلى ذلك بقوله : « فخرج القوم يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » « 4 » . وكانت الخطوة التالية من التخطيط المحكم كما يشير المقريزي ( ت 845 ه ) هو تأمين مكان الاجتماع بالحراسة اليقظة ، فقال : وجاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والعباس . . . فأوقف العباس ( ت 32 ه ) عليّا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر ( ت 13 ه ) على فم الطريق الاخر عينا له « 5 » . فلم يعلم أحد من الصحابة بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة من الحراسة والمراقبة وهما علي وأبو بكر رضى اللّه عنهما . وهكذا ؛ فقد تم اللقاء بين الأنصار وبين رسول اللّه بنجاح كامل وبايع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه من الأنصار ، ثم قال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن موسى أخذ من بني إسرائيل
--> ( 1 ) كانت هذه البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط وعدم منازعة الأمر أهله ، وأن يقول بالجد ، وعدم الخوف في اللّه لومة لائم » . انظر : ابن هشام ، السيرة ( م 1 ، ص 454 ) . ابن سعد ، الطبقات ( ج 1 ، ص 222 ، 223 ) . البلاذري ، أنساب ( ج 1 ، ص 354 ) ( الواقدي ) . ابن حبان ، كتاب الثقات ( ج 1 ، ص 111 ، 112 ) . ( 2 ) ابن هشام ، السيرة ( م 1 ، ص 440 ) ( ابن إسحاق ) . وانظر : البلاذري ، أنساب ( ج 1 ، ص 239 ، 240 ) . الطبري ، تاريخ ( ج 2 ، ص 369 ) ( ابن إسحاق ) . الساعاتي ، الفتح الرباني ( ج 2 ، ص 272 ) . ( 3 ) ابن هشام ، السيرة ( م 1 ، ص 441 ) ( ابن إسحاق ) ، وانظر . الطبري ، تاريخ ( ج 2 ، ص 362 ) . ابن الأثير ، الكامل ( ج 2 ، ص 98 ) . ( 4 ) ابن سعد ، الطبقات ( ج 1 ، ص 221 ) . وانظر : البيهقي ، سنن ( ج 9 ، ص 9 ) . ( 5 ) المقريزي ، إمتاع ( ج 1 ، ص 35 ) .