د حافظ أحمد عجاج الكرمي
241
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
عليهما بأمر لهما فيه سعة » « 1 » وقد عدّ بعضهم هذه القصة من المظالم ، لكون أحد المتخاصمين ابن عمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فظن الأنصاري أن الزبير أخذ هذا الحقّ لقربه من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكنّ النبيّ بين الحكم الذي ينبغي أن يتبع في أمر السقاية بين الجيران « 2 » . ومن الحوادث التي وقعت في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم واعتبرت من نظر المظالم ما رواه أبو داود ( ت 275 ه ) أنه : « كان لسمرة بن جندب عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار ، ومع الرجل أهله ، فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه ، فطلب إليه أن يبيعه فأبى ، فطلب إليه أن يناقله فأبى ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فذكر له ذلك ، فطلب إليه أن يبيعه أو ينقله فأبى ثم رغبه أن يهبها له ، واللّه يثيبه أكرم مثوبة فأبى ، فقال عليه السّلام : « أنت مضار » ، ثم قال للأنصاري : « اذهب فاقلع نخله » « 3 » وهذا يوضح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يختر الحكم الذي ينهي الخصومة فقط كبيع النخيل أو هبته ، إنما اختار الحكم الذي ينهي الخصومة ، ويردع الظالم لإساءته استعمال حقه ، فقضى بقلع النخل وهو ما يجاوز حكم القضاء ، ويدخل في نطاق نظر المظالم الذي تظهر منه السياسة الشرعية ؛ تحقيقا للمصلحة العامة « 4 » . واعتبر ما وقع لابن اللتبية أساسا واضحا لقضاء المظالم ؛ لأن ما أعطي ابن اللتبية من الهدايا كان بسبب استغلال نفوذه الوظيفي « 5 » ، ولهذا فقد احتاج هؤلاء الولاة والعمال إلى سلطة أعلى من سلطة القضاء ، والتي تجمع بين حكم القضاء ، وهيبة السلطة ، وهو ما سمي فيما بعد « بقاضي المظالم » ، يقول الماوردي ( ت 450 ه ) معرّفا نظر المظالم : « هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة ، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة ، فكان من شروطه أن يكون جليل القدر ، نافذ الأمر ، عظيم الهيبة ، ظاهر العفة ، قليل الطمع ، كثير الورع ؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة ، وثبت القضاة ، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين » « 6 » وقد تمثلت هذه الصفات جميعا في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو ينظر في هذه القضية .
--> ( 1 ) الشوكاني ، نيل الأوطار ( ج 9 ، ص 178 ) ( الزهري ) . ( 2 ) سعود ، التنظيم القضائي ( ص 176 ، 177 ) . ( 3 ) ابن القيم ، عون المعبود ( ج 10 ، ص 64 ، 65 ) . ( 4 ) صبحي الصالح ، النظم الإسلامية ( ص 321 ) . ( 5 ) البخاري ، الصحيح ( ج 3 ، ص 209 ) ، ( ج 8 ، ص 163 ) ، مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 318 - 200 ) . أبو داود ، السنن ( ج 3 ، ص 354 ، 355 ) . ( 6 ) الماوردي ، الأحكام ( ص 77 ) .