د حافظ أحمد عجاج الكرمي
232
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
اللّه » ، فقال رجل من أقصى القوم ، إن عليّا قضى بيننا بقضاء اليمن فقال : « وما هو ؟ » فقصوا عليه القصة ، فأجازه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجعل الدية على القبائل الذين ازدحموا « 1 » . ويفيد هذا النص أن الإسلام قرر في نظمه القضائية جواز استئناف القضايا المحكوم فيها وتميّزها لدى جهة قضائية أخرى . ويلاحظ من خلال روايات المصادر أنه لم يكن هناك مكان خاص ( محكمة ) يجلس فيه القاضي للقضاء ، فقد قضى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في بيته كما يذكر أبو داود ( ت 275 ه ) عن أم سلمة قولها : « اختصم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رجلان من الأنصار في مواريث متقادمة فقضى بينهما في بيتي » « 2 » وعنها كذلك : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته ، فخرج إليهم ، فقال : « إنما أنا بشر وإنكم تختصمون لدي . . . » « 3 » وهذا يبين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قضى بين الخصمين أمام حجرة زوجه أم سلمة رضي اللّه عنها . وكان « المسجد » مكانا اخر للقضاء ، فقد روى البخاري ( ت 256 ه ) قول سهل أخي بني ساعدة أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد « 4 » ، فقضى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المسجد أن يتلاعنا حتى إذا أتى على حد أمر بأن يخرج من المسجد ، فيقام عليه الحد ؛ إذ إن المسجد يجب أن ينزه عن أن تقام فيه الحدود نظرا لقدسيته ، يتضح هذا من خلال قصة الرجل الذي اعترف على نفسه بالزنا أمام النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المسجد فسأله : « أبك جنون ؟ » قال : لا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اذهبوا به فارجموه » « 5 » وذكر ابن قدامة ( 620 ه ) ما يؤيد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يجلس في المسجد للقضاء ، فقال : « وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك » « 6 » . وقضى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في « الطريق » ، فقد أخرج البخاري ( ت 256 ه ) في صحيحه بابا سماه « باب القضاء والفتيا في الطريق » « 7 » .
--> ( 1 ) وكيع ، أخبار القضاة ( ج 1 ، ص 95 - 97 ) . ابن القيم ، شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر ( ت 751 ه ) ، إعلام الموقعين عن رب العالمين ، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ، بيروت ، دار الجيل ، د . ت ( ج 2 ، ص 58 ) . الزبية : حفرة تحفر للأسد والصيد ويغطى رأسها بما يسترها ليقع فيها ، انظر : ابن منظور ، اللسان ( ج 14 ، ص 353 ) . ( 2 ) أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 14 ، 15 ) . ( 3 ) م . ن ( ج 4 ، ص 13 ، 14 ) . ( 4 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 85 ) . ( 5 ) م . ن ( ج 9 ، ص 85 ، 86 ) . مسلم بشرح النووي ( ج 11 ، ص 193 ) . أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 577 ) . ابن ماجة ، السنن ( ج 2 ، ص 854 ) . ( 6 ) ابن قدامة ، المغني ( ج 11 ، ص 389 ) . ( 7 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 80 ) .