د حافظ أحمد عجاج الكرمي
226
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
الاخر ، يتضح هذا من رواية الدارقطني ( ت 385 ه ) قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من ابتلي بالقضاء بين الناس فلا يرفعنّ صوته على أحد ما لا يرفع على الاخر » « 1 » وفي هذا أمر صريح بوجوب التسوية بين الخصوم في كل ما يمكن العدل فيه . أما عن كيفية سير القاضي مع الخصوم ، فينبغي أن يكون ابتداء نظر الخصومات بالترتيب ، فيقدم خصومة من جاء أولا على من جاء بعدهن ، ولا يقدم واحدا على من جاء قبله لفضل منزلة أو سلطان « 2 » ، ويتضح هذا من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له » « 3 » ، ثم عليه أن يسمع ما لدى الخصمين أو الخصوم قبل الفصل في القضية ، وترد إشارة إلى ذلك في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعلي بن أبي طالب حين بعثه قاضيا إلى اليمن : « فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع كلام الاخر ، فإنه أحرى أن يتبين لك وجه القضاء » « 4 » . ولما كان القاضي يشكّل طرفا مهمّا في عملية التقاضي فلابد أن تكون هذه العملية في وقت صفاء نفسه وذهنه ، ومن ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان » « 5 » ؛ وذلك لأن القاضي لا يستطيع تحري الحق حال الغضب ، ومثل الغضب الجوع المفرط ، والعطش الشديد ، وغلبة النعاس « 6 » ، يتضح هذا من رواية أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان » « 7 » وقد أكد الماوردي ( ت 450 ه ) هذه المعاني بقوله : « ينبغي للقاضي أن يعتمد بنظره الوقت الذي فيه ساكن النفس ، معتدل الأحوال ليقدر علي الاجتهاد في النوازل . . . ولمّا نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين ، والصلاة لا تحتاج إلى الاجتهاد إلى ما يحتاج إليه الأحكام ، فكان دفع الأخبثين في القضاء أولى » « 8 » .
--> ( 1 ) وكيع ، أخبار القضاة ( ج 1 ، ص 31 ) . الدارقطني ، السنن ( ج 4 ، ص 205 ) . ( 2 ) محمد نعيم ياسين ، نظرية الدعوى ( ج 2 ، ص 45 ) . ( 3 ) البيهقي ، السنن ( ج 10 ، ص 139 ) . ( 4 ) أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 11 ) . ابن ماجة ، السنن ( ج 2 ، ص 774 ) . الترمذي ، الصحيح ( ج 6 ، ص 72 ) . ( 5 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 82 ) . مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 15 ) . أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 16 ) . الترمذي ، الصحيح ( ج 6 ، ص 77 - 78 ) . النّسائي ، السنن ( ج 8 ، ص 237 ) . ( 6 ) نعيم ياسين ، نظرية الدعوى ( ج 2 ، ص 35 ) . ( 7 ) الدارقطني ، السنن ( ج 4 ، ص 206 ) . وينظر : وكيع ، أخبار القضاة ( ج 1 ، ص 83 ) . ( 8 ) الماوردي ، أبو الحسن محمد بن حبيب ( ت 450 ه ) ، أدب القاضي ، تحقيق محيي الدين هلال ، بغداد ، مطبعة الإرشاد ، ( 1391 ه ، 1971 م ) ، ( ج 1 ، ص 213 - 216 ) .