د حافظ أحمد عجاج الكرمي

227

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

وبعد سماع الدعوى وأقوال الخصمين من حجج وأجوبة فعلى القاضي أن يصدر حكمه على الفور وإيصال الحق إلى صاحبه ، حيث كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقضي بين الخصوم وفي مجلس المخاصمة الواحد ، ولم يكن يرجئهم إلى وقت اخر كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة التي اختصما فيها « 1 » ، ويذكر البخاري ( ت 256 ه ) : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث أبا موسى إلى اليمن قاضيا وأميرا ثم أتبعه معاذ بن جبل ، فلما بلغ معاذ وجد رجلا موثقا عند أبي موسى فألقى أبو موسى لمعاذ وسادة وقال له : انزل ، قال معاذ : ما هذا ؟ قال : كان يهوديّا فأسلم ثم تهود ، قال : اجلس ، قال معاذ : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء اللّه تعالى ، ثلاث مرات فأمر به أبو موسى فقتل » « 2 » . لقد حرص القضاء الإسلامي على تحري العدل في كل أحكامه وإجرااته القضائية ، ويتضح هذا ممّا ورد في الآيات الكريمة : . . . وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . . . [ النساء : 58 ] وقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ . . . [ النحل : 90 ] ومن الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى ما رواه البيهقي ( ت 458 ه ) من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كيف يقدس اللّه أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم » « 3 » ، وذكر النسائي ( ت 303 ه ) قول ابن عمر ( ت 73 ه ) أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا » « 4 » ، ولم يكن ذلك مقصورا على المسلمين ، بل تعداهم إلى الناس جميعا فقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] « 5 » ، ويطلب العدل أيضا في حالة الحكم على الأقرباء أو الأصدقاء ، يقول اللّه تعالى : وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى . . . [ الأنعام : 152 ] « 6 » ، وحذّر النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الجور في القضاء ، ويتضح هذا مما

--> ( 1 ) النّسائي ، السنن ( ج 4 ، ص 238 ، 239 ) . الترمذي ، الصحيح ( ج 6 ، ص 118 ) . الماوردي ، الأحكام ( ص 77 ) . الشوكاني ، نيل الأوطار ( ج 9 ، ص 177 ) . ( 2 ) أحمد ، المسند ( ج 4 ، ص 409 ) . البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 19 ) . ( 3 ) البيهقي ، السنن ( ج 7 ، ص 87 ) . ( 4 ) النّسائي ، السنن ( ج 8 ، ص 221 ، 222 ) . الشوكاني ، نيل الأوطار ( ج 9 ، ص 162 ) . ( 5 ) انظر : الطبري ، تفسير ( ج 10 ، ص 95 ) . القرطبي ، الجامع ( ج 6 ، ص 109 ، 110 ) . السيوطي ، الدر المنثور ( ج 3 ، ص 34 - 36 ) . ( 6 ) انظر : الطبري ، تفسير ( ج 12 ، ص 225 - 228 ) . القرطبي ، الجامع ( ج 7 ، ص 136 ، 137 ) . السيوطي ، الدر المنثور ( ج 3 ، ص 382 - 385 ) .