د حافظ أحمد عجاج الكرمي
225
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
زمن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كانت أقرب ما تكون إلى الإفتاء ، وقد جعل هذا المفهوم مجموعة من العلماء يؤلفون كتبا كبيرة في أقضية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » . أما عن الإجراات القضائية المتبعة ، فإن المعلومات المتوافرة في كتب الحديث الصحيحة عن قضاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم توضح من شؤون القضاء وتنظيمه ما يجعل قواعده راسخة واضحة في بيان أصول المحاكمة ، وما ينبغي للقاضي أن يسلكه في مجلس الحكم ، وكيفية سير القاضي مع الخصوم . . إلى غير ذلك . فقد بيّن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أصول المحاكمة » « 2 » وما ينبغي أن يكون عليه القاضي في لفظه ولحظه في أثناء سماع الدعوى ، فذكر أبو داود ( ت 275 ه ) قول عبد اللّه بن الزبير ( ت 73 ه ) : « قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم » « 3 » . فلابد من التسوية بين الخصمين في الجلوس ، فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الاخر ولا أرفع مجلسا منه ، وأحسن الأوضاع في جلوس الخصمين أن يكون بين يدي القاضي لحديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم إنه يتحقق بذلك الخضوع التام لحكم الشارع ، والشعور بالصغار أمامه كما يحقق المساواة بينهما أيضا « 4 » . وكذلك أكد النبي صلّى اللّه عليه وسلم على ضرورة العدل بين المتخاصمين في اللحظ واللفظ والإشارة ، وفي ذلك نقل لنا الدارقطني ( ت 385 ه ) قول أم سلمة ( ت 62 ه ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده « 5 » » وفي رواية « من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في المجلس والإشارة والنظر » « 6 » ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن أن يرفع القاضي صوته على أحد الخصوم دون
--> ( 1 ) انظر مثلا : ابن أبي شيبة ، أبو بكر عبد اللّه بن محمد صلّى اللّه عليه وسلم ( ت 235 ه ) ، أقضية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . القرطبي ( ت 457 ه ) ، أقضية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . الإشبيلي ، عبد الملك بن مروان ( ت 549 ه ) والغرناطي أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد ( ت 582 ه ) لهما كتابان بنفس العنوان السابق ) . وختم ابن القيّم كتابه « إعلام الموقعين عن رب العالمين » بذكر فصول من فتاويه ( وأجوبته ) . ( 2 ) محمد نعيم ياسين ، نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية ، عمان ، وزارة الأوقاف ، د . ت ( ص 69 ) . ( 3 ) أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 16 ) . ( 4 ) ابن فرحون المدني ، إبراهيم بن علي بن فرحون ( ت 799 ه ) ، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ، القاهرة ، مطبعة مصطفى الحلبي ، ( 1378 ه ، 1958 م ) ، ( ج 1 ، ص 46 ) . ( 5 ) الدارقطني ، أبو الحسن علي بن عمر ( ت 389 ه ) ، سنن الدارقطني ، وبذيله التعليق المغني على الدارقطني ، تحقيق عبد اللّه هاشم المدني ، القاهرة ، دار المحاسن ( 1966 م ) ، ( ج 4 ، ص 205 ) . ( 6 ) ابن حجر ، أحمد بن علي ( ت 852 ه ) ، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ، تحقيق عبد اللّه هاشم المدني ، المدينة المنورة ، مطبعة الفجالة ( 1964 م ) ، ( ج 2 ، ص 169 ) .