د حافظ أحمد عجاج الكرمي

224

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

مواطني المدينة حيث جاء فيها : « وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ، فإن مرده إلى اللّه عزّ وجل وإلى محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » « 1 » . لقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم المشرع والقاضي والمنفذ « 2 » ، وهو بذلك جمع بين سلطان التشريع ، والتنفيذ ، والقضاء ، وكان تشريعه للأحكام بصفته رسولا بكونه حاكما عامّا ، وانتهت هذه المهمة بوفاته ، أما أداؤه لوظيفتي القضاء والتنفيذ فكان تكليفه بهما على سبيل العموم ، إذا يقوم بهما الخلفاء من بعده كعمل تقتضيه مصلحة الجماعة « 3 » . وتشعر روايات المصادر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مارس الوظيفة القضائية بصفته حاكما لا بصفته نبيّا ، فقد روى البخاري ( ت 256 ه ) قول أم سلمة : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار » « 4 » ، وفي رواية : « إني أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه » « 5 » فكان هذا القضاء مبنيّا على الظاهر من الحجج والبراهين دون معرفة السرائر ؛ وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لو قضى بين المتخاصمين بصفته نبيّا لعلم صاحب الحق من غيره ، ولكنه قضى بصفته حاكما ؛ لأن القضاء مرتبط بالحياة ومتغيراتها ، ولا يتوافر لهذا رسل وأنبياء دائما . لقد قام النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمهمة القضاء على أنها وظيفة إدارية تتطلب أن يقوم بها بصفته حاكما للمسلمين أو يكلف من ينوب عنه في ذلك ، وكانت وجهة أكثر المتخاصمين أن يعرفوا الحكم فينفّذوه « 6 » ، يروي البخاري ( ت 256 ه ) : أن هند بنت عتبة قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن أبا سفيان رجل شحيح ، فأحتاج أن اخذ من ماله ، قال : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » « 7 » ، ويلاحظ أن كثيرا من القضايا التي اعتبرت قضاء في

--> ( 1 ) ابن هشام ، السيرة ( م 1 ، ص 504 ) . وانظر : حميد اللّه ، مجموعة الوثائق ، وثيقة رقم ( 1 ) ، فقرة رقم ( 42 ) ، ( ص 62 ) . ( 2 ) وذلك بمقتضى الآيات التي تجعل من النبي صلّى اللّه عليه وسلم مشرعا عن ربه . انظر : الآيات : المائدة ( اية : 48 ) . الشورى ( اية : 13 ) . الجاثية ( اية : 18 ) . ( 3 ) سعود ، التنظيم القضائي ( ص 135 ) . ( 4 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 89 ) . وانظر : مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 4 ) . أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 13 ، 14 ) . الترمذي ، الصحيح ( ج 6 ، ص 83 ، 84 ) . النّسائي ، السنن ( ج 8 ، ص 233 - 247 ) . ( 5 ) صحيح مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 5 ، 6 ) . ( 6 ) القضاء : الحكم ، قال أهل الحجاز : القاضي : القاطع للأمور والالتزام بها . انظر : ابن منظور ، اللسان ( ج 5 ، ص 186 ) . ( 7 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 89 ) . مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 7 ) . النّسائي ، السنن ( ج 8 ، ص 246 ، 247 ) .