د حافظ أحمد عجاج الكرمي
206
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
ونظرا لأهمية الراية فكانت تدفع إلى خيرة الناس عقيدة وتجربة ، ففي إحدى الوقائع أخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم الراية فهزها ثم قال : « من يأخذها بحقها ؟ » فقال رجل : أنا ، فقال : « امض » ثم جاء رجل فقال : « امض . . » « 1 » وفي هذا دلالة على دقة اختيار النبي صلّى اللّه عليه وسلم لحامل الراية ، وتشير المصادر إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال يوم خيبر : « لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله » فدفعها إلى علي بن أبي طالب فانطلق بها « 2 » . وفي مرحلة متأخرة كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا بعث قائدا يعقد له اللواء ويسلمه له بعد تسمية اللّه ، ثم ينصح له فيركزه أمام المسجد أو أمام بيته ليجتمع عنده الخارجون للغزو بمتاعهم استعدادا للرحيل . ذكر ابن سعد ( ت 230 ه ) أنه لما بعث أسامة إلى البلقاء استدعاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعقد له اللواء رمزا للقيادة ، فركزه بالجوف خارج المدينة وعسكر الناس حوله . فلما توفي الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عاد أسامة باللواء وركزه أمام بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وظل هكذا حتى بويع لأبي بكر بالخلافة فأمر أن يركز اللواء أمام بيت أسامة ليمضي به « 3 » . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يستعرض أصحابه قبل الخروج إلى المعركة ، أو في أثناء السير إلى الجهة التي يقصدها فقد استعرض النبي جنده في بدر وأحد « 4 » فيرد صغار السن والضعاف . وقد رد النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوم أحد زيد بن ثابت وعبد اللّه بن عمرو بن العاص وغيرهم « 5 » ، ويذكر ابن حجر ( ت 852 ه ) في ترجمته لسمرة بن جندب قال : « إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام قمرية ، وعرض عليه سمرة بن جندب فرده ، قال سمرة : فقلت : يا رسول اللّه لقد أجزت غلاما ورددتني ، ولو صارعني لصرعته ، قال : فدونك فصارعه ، قال : فصارعته فصرعته ، فأجازني في البعث » « 6 » .
--> ( 1 ) البخاري ، الصحيح ( ج 4 ، ص 65 ) . وانظر : ابن هشام ، السيرة ( م 2 ، ص 334 ) ، ( ابن إسحاق ) . ابن ماجة ، السنن ( ج 1 ، ص 43 ، 44 ) . ( 2 ) الصنعاني ، المصنف ( ج 5 ، ص 288 ) . البخاري ، الصحيح ( ج 4 ، ص 57 ، 58 ) . الترمذي ، الصحيح ( ج 13 ، ص 171 ، 172 ) . ( 3 ) ابن سعد ، الطبقات ( ج 2 ، ص 190 ، 191 ) . وانظر : عون ، الفن الحربي ( ص 80 ) . عواد ، الجيش والقتال ( ص 213 ) . ( 4 ) ابن سعد ، الطبقات ( ج 2 ، ص 12 ) . ( 5 ) ابن حبان ، الثقات ( ج 1 ، ص 224 ) . ابن هشام ، السيرة ( م 2 ، ص 566 ) . ( 6 ) ابن حجر ، الإصابة ( ج 2 ، ص 78 ، 79 ) . الكتاني ، التراتيب الإدارية ( ج 1 ، ص 232 ) . وكان القران قد أعذر أصحاب الأمراض والضعاف من القتال فقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [ التوبة : 91 ] .