د حافظ أحمد عجاج الكرمي
200
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
وصف علي بن أبي طالب شجاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في بدر بقوله : « كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه » « 1 » . ويفترض في الأمير أن يكون من أهل الصبر والتحمل ، فيذكر سعد بن أبي وقاص ( ت 55 ه ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال يوم نخلة ( 2 ه ) : « لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش » فبعث علينا عبد اللّه بن جحش ، فكان أول أمير في الإسلام « 2 » . ويشترط في الأمير كذلك الكفاءة والخبرة بشؤون الحرب ، وقد طبق الرسول صلّى اللّه عليه وسلم هذا المبدأ فأمّر عمرو بن العاص على سرية فيها أبو بكر وعمر « 3 » ، يقول ابن تيمية ( ت 728 ه ) : « وأمّر النبي صلّى اللّه عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هم أفضل منه ، وأمّر أسامة بن زيد لأجل ثأر أبيه ؛ ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة مع أنه قد يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان ، وهكذا أبو بكر خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام ، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل ، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه ، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه ؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة ، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر ، ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يؤثر استنابة خالد وكان عمر بن الخطاب يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنهم ؛ لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب ، وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر ، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي هو معتدل حتى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا نبي الرحمة ، أنا نبي الملحمة » وأمته وسط قال اللّه تعالى فيهم : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [ الفتح : 29 ] » « 4 » . ولقد أضاف الإسلام إلى مؤهلات الإمارة التقوى والسبق إلى الإسلام فترد الإشارة إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللّه وبمن معه من المسلمين خيرا « 5 » .
--> ( 1 ) الطبري ، تاريخ ( ج 2 ، ص 270 ) وهذا يدل على أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان يترك عريشة القيادة ويباشر القتال بنفسه . ( 2 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ( ج 3 ، ص 248 ) . ابن حجر ، الإصابة ( ج 2 ، ص 287 ) . ( 3 ) اليعقوبي ، تاريخ ( ج 2 ، ص 64 ) . النويري ، نهاية الأرب ( ج 6 ، ص 152 ) . ( 4 ) ابن تيمية ، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ( ت 728 ه ) ، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ، تحقيق علي سامي النشار وأحمد زكي عطية ( ط 2 ) مصر ، دار الكتاب العربي ، سنة ( 1951 م ) ، ( ص 15 ، 16 ) . ( 5 ) الشيباني ، شرح كتاب السير ( ج 1 ، ص 93 ) . مسلم ، الصحيح ( ج 3 ، ص 1357 ) . ابن كثير ، البداية -