ابن العمراني

77

الإنباء في تاريخ الخلفاء

فقال له الرشيد : ما أقل هذه الحطيطة ؟ فقال له الأعرابي : يا أمير المؤمنين قلت لي سل فسألت على قدرك ثم قلت لي حط فحططت على قدري . فقال الرشيد : أعطوه مائتي ألف لشعره ومائة ألف لحسن كلامه . وحكى « 139 » إسحاق الموصلي قال : ما رأيت أكرم طبعا من الرشيد ، دخلت يوما عليه فأنشدته : هذه الأبيات من شعري : وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى * فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى * بخيلا له حتى الممات خليل ومن خير حالات الفتى لو علمته * إذا نال خيرا أن يقال منيل عطائي عطاء المكثرين تكرما * ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى * ورأى أمير المؤمنين جميل فقال لي : لا تخف ، للّه درك وللّه در أبيات تجيء بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها . ثم قال : أعطوا أبا محمد مائة ألف درهم . فقلت : يا أمير المؤمنين يحرم عليّ أخذ الجائزة . قال : ولم ؟ قلت : لأنك مدحتني بأكثر مما مدحتك فكيف يحلّ لي أخذ الجائزة ؟ وكلامك والله أحسن من شعري فقال : وهذا [ 23 ب ] الكلام والله منك أحسن من شعرك ومن مدحي لك ، أعطوه مائة ألف أخرى « 140 » . فأحضرت في الحال عشرون بدرة فيها مائتا ألف درهم وسلمت إليّ . وكان الأصمعي حاضرا فتغيّر وجهه وعرف الرشيد منه ذلك فقال : يا أصمعى ، أبو محمد تلميذك ومن بحرك يغترف وأنت شيخ الكلّ وأستاذهم . فقال : يا أمير المؤمنين ولكنه أحذق بصيد الدراهم منى . فضحك الرشيد وقال : أعطوا الأصمعي مائة ألف درهم فأحضرت وسلمت إليه . فقال الأصمعي : « لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ » 4 : 11 فضحك الرشيد وقال : أعطوا الأصمعي مائة ألف أخرى . وحكى إسحاق أيضا قال : كنّا يوما عند الرشيد في خلوة فدخل عليه الأصمعي وكان يعلّم ولديه الأمين والمأمون وكان يوما شديد الحر فقال له الرشيد : يا أصمعى