ابن أبي أصيبعة

642

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

في أوقات وبينهما صداقة وكان الشيخ فخر الدين يقول لنا ما أذكى هذا الشاب وأفصحه ولم أجد أحدا مثله في زماني إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره وقلة تحفظه أن يكون ذلك سببا لتلافه قال فلما فارقنا شهاب الدين السهروردي من الشرق وتوجه إلى الشام أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء ولم يجاره أحد فكثر تشنيعهم عليه فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام فتكلم معهم بكلام كثير بان له فضل عظيم وعلم باهر وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه وصار مكينا عنده مختصا به فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضرة بكفره وسيروها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين وقالوا إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه إن هذا الشهاب السهروردي لا بد من قتله ولا سبيل أنه يطلق ولا يبقى بوجه من الوجوه ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك وأيقن أنه يقتل وليس جهة إلى الإفراج عنه اختار أن يترك في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى ففعل به ذلك وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة قال الشيخ سديد الدين محمود بن عمر ولما بلغ شيخنا فخر الدين المارديني قتله قال لنا أليس كنت قلت لكم عنه هذا من قبل وكنت أخشى عليه منه أقول ويحكى عن شهاب الدين السهروردي أنه كان يعرف علم السيمياء وله نوادر شوهدت عنه من هذا الفن ومن ذلك حدثني الحكيم إبراهيم بن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به وشاهد منه ظاهر باب الفرج وهم يتمشون إلى ناحية الميدان الكبير ومعه جماعة من التلاميذ وغيرهم وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه وما يعرف منه وهو يسمع فمشى قليلا وقال ما أحسن دمشق وهذه المواضع قال فنظرنا وإذا من ناحية الشرق جواسق عالية متدانية بعضها إلى بعض مبيضة وهي من أحسن ما يكون بناية وزخرفة وبها طاقات كبار فيها نساء ما يكون أحسن منهن قط وأصوات مغان وأشجار متعلقة بعضها مع بعض وأنهر جارية كبار ولم نكن نعرف ذلك من قبل فبقينا نتعجب من ذلك وتستحسنه الجماعة وانذهلوا لما رأوا قال الحكيم فبقينا كذلك ساعة ثم غاب عنا وعدنا إلى رؤية ما كنا نعرفه من طول الزمان قال لي إلا أن عند رؤية تلك الحالة الأولى العجيبة بقيت أحس في نفسي كأنني في سنة خفية ولم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني وحدثني بعض فقهاء العجم قال كنا مع الشيخ شهاب الدين عند الغابون ونحن مسافرون عن دمشق فلقينا قطيع غنم مع تركماني فقلنا للشيخ يا مولانا نريد من هذا الغنم رأسا نأكله فقال معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم وكان ثم تركماني فاشترينا منه رأسا بها فمشينا