ابن أبي أصيبعة
643
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فلحقنا رفيق له وقال ردوا الرأس وخذوا أصغر منه فإن هذا ما عرف يبيعكم يسوى هذا الرأس البختية الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم وتقاولنا نحن وإياه ولما عرف الشيخ ذلك قال لنا خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه فتقدمنا وبقي الشيخ يتحدث معه ويمنيه فلما أبعدنا قليلا تركه وتبعنا وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت إليه ولما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وقال أين تروح وتخليني وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت في يد التركماني ودمها يجري فبهت التركماني وتحير في أمره ورمى اليد وخاف فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمني ولحقنا وبقي التركماني راجعا وهو يتلفت إلينا حتى غاب ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير وحدثني صفي الدين خليل بن أبي فضل الكاتب قال حدثنا الشيخ ضياء الدين بن صقر رحمه الله أن في سنة خمسمائة وتسعة وسبعين قدم إلى حلب الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي ونزل في مدرسة الجلاوية وكان مدرسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين رحمه الله فلما حضر شهاب الدين الدرس وبحث مع الفقهاء وكان لابس دلق وهو مجرد بإبريق وعكاز وما كان أحد يعرفه فلما بحث وتميز بين الفقهاء وعلم افتخار الدين أنه فاضل أخرج له ثوبا عتابيا وغلالة ولباسا وبقيارا وقال لولده تروح إلى هذا الفقير وتقول له والدي يسلم عليك ويقول لك أنت رجل فقيه وتحضر الدرس بين الفقهاء وقد سير لك شيئا تكون تلبسه إذا حضرت فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين وقال له ما أوصاه سكت ساعة وقال يا ولدي حط هذا القماش وتفضل اقض لي حاجة وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رماني ما ملك أحد مثله في قده ولونه وقال تروح إلى السوق تنادي على هذا الفص ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني فلما وصل به إلى السوق عند العريف ونادى على الفص فانتهى ثمنه إلى مبلغ خمسة وعشرين ألف درهم فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين وهو يومئذ صاحب حلب وقال هذا الفص قد جاب هذا الثمن فأعجب الملك الظاهر قده ولونه وحسنه فبلغه إلى ثلاثين ألف درهم فقال العريف حتى أنزل إلى ابن افتخار الدين وأقول له وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له وقال له رح شاور والدك على هذا الثمن واعتقد العريف أن الفص لافتخار الدين فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجر آخر حتى فتته وقال لولد افتخار الدين خذ يا ولدي هذه الثياب ورح إلى والدك قبل يده عني وقل له لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه فراح إلى افتخار الدين وعرفه صورة ما جرى فبقي حائرا في قضيته وأما الملك الظاهر فإنه طلب العريف وقال أريد الفص فقال يا مولانا أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرس الجلوية فركب السلطان ونزل إلى المدرسة وقعد في الإيوان