ابن أبي أصيبعة
592
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
والنجار معه إلى الباب والأطباء جلوس قال له الحكيم المذكور ما هذا النجار قال يعمل تابوتا لمريضتكم فقال له تضعونها فيه وهي في الحياة فقال الرسول لا لكن بعد موتها قال له ترجع بهذا النجار وتقول للسلطان عني خاصة أنها في هذه المرضة لا تموت فرجع وأخبره بذلك فلما كان الليل استدعاه السلطان بخادم وشمعة وورقة بخطه يقول فيها ولد الفارس يحضر إلينا لأنه لم يكن بعد سمي أبا حليقة وإنما سماه بذلك فيما بعد السلطان الملك الكامل فإنه كان في بعض الأيام جالسا مع الأطباء على الباب فقال السلطان للخادم في أول مرة اطلب الحكيم فقال له يا خوند أي الحكماء هو فقال له أبو حليقة فاشتهر بين الناس بهذا الاسم من ذلك اليوم إلى حيث غطى نعته ونعت عمه الذي كانوا يعرفون به ببني شاكر فلما وصل إليه قال أنت منعت عمل التابوت فقال نعم قال بأي دليل ظهر لك هذا من دون الأطباء كلهم قال له يا مولانا لمعرفتي مزاجها وبأوقات مرضها على التحرير من دونهم وليس عليها بأس في هذه المرضة فقال له امض وطبها واجعل بالك لها فطب المذكورة وعوفيت ثم أخرجها السلطان وزوجها وولدت من زوجها أولادا كثيرين ومن جملة ما تم أيضا له أنه حكم معرفة نبض الملك الكامل حتى أنه في بعض الأيام خرج إليه من خلف الستارة مع الآدر المرضى فرأى نبض الجميع ووصف لهم فلما انتهى إلى نبضه عرفه فقال هذا نبض مولانا السلطان وهو صحيح بحمد الله فتعجب منه غاية العجب وزاد تمكنه عنده ومن حكاياته معه أنه أمره بعمل الترياق الفاروق فاشتغل بعمله مدة طويلة ساهرا عليه الليل حتى حقق كل واحد من مفرداته اسما على مسمى بشهادة أئمة الصناعة أبقراط وجالينوس وفي غضون ذلك حصل للسلطان نزلة على أسنانه فأفصد بسببها وهو ببركة الفيل يتفرج بها فطلع إلى القلعة وتولى مداواته الأسعد الطبيب بن أبي الحسن بسبب شغل المذكور بعمل الترياق فعالجه الأسعد مدة والحال كلما مر اشتد فشكا ذلك للأسعد فقال له ما بقي قدامي إلا الفصد فقال له أفصد مرة أخرى ولي عن الفصد ثلاثة أيام اطلبوا لي أبا حليقة فحضر إليه وشكا له حاله وأعلمه أن ذلك الطبيب قد أشار عليه بالفصد واستشاره فيه أو في شرب دواء فقال يا مولانا بدنك بحمد الله نقي والأمر أيسر من هذا كله فقال له السلطان إيش تقول لي أيسر وأنا في شدة عظيمة من هذا الألم لا أنام الليل ولا أقر النهار فقال له يتسوك مولانا من الترياق الذي حمله المملوك في البرنية الفضة الصغيرة وترى بإذن الله العجب وخرج إلى الباب ولم يشعر إلا بورقة بخط السلطان قد خرجت إليه وهو يقول فيها يا حكيم استعملت ما ذكرته فزال جميع ما بي لوقته وكان ذلك بحضور الأسعد الطبيب الذي كان يعالجه أولا فقال له ونحن ما نصلح لمداواة الملوك ولا يصلح لمداواتهم إلا أنتم ثم دخل الملك الكامل إلى خزانته وبعث إليه منها خلعا سنية وذهبا متوفرا ومن حكاياته إنه لما طال عليه عمل الترياق الفاروق لتعذر حضور أدويته الصحيحة من الآفاق