ابن أبي أصيبعة

593

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

عمل ترياقا مختصرا توجد أدويته في كل مكان ونوى أنه لا يقصد به قربا من ملك ولا طلب مال ولا جاها في الدنيا ولا يقصد به إلا التقرب إلى الله بنفع خلقه أجمعين والشفقة على سائر العالمين وبذله للمرضى فكان يخلص به المفلوجين ويقوم به الأيدي المتقوسة لوقته وساعته بحيث كان ينشئ في العصب زيادة في الحرارة الغريزية وتقوية وإذابة البلغم الذي فيه فيجد المريض الراحة به لوقته ويسكن وجع القولنج من بعد الاستفراغ لوقته وأنه مر على بواب الباب الذي بين السورين بالقاهرة المحروسة وهو رجل يعرف بعلي وهو ملقى على ظهره لا يقدر أن ينتصب من جنب إلى جنب فشكا إليه حاله فأعطاه منه شربة وطلع القلعة وباشر المرضى وعاد في الساعة الثالثة من النهار فقام المفلوج يعدو في ركابه يدعو له فقال له اقعد فقال يا مولانا قد شبعت قعودا خليني أتملى بنفسي ومن حكاياته أن الملك الكامل كان عنده مؤذن يعرف بأمين الدين جعفر حصل له حصاة سدت مجرى البول وقاسى من ذلك شدة أشرف فيها على الموت فكتب إلى الملك الكامل وأعلمه بحاله وطلب منه دستورا يمشي إلى بيته يتداوى فلما حضر إلى بيته أحضر أطباء العصر فوصف كل منهم له ما وصف فلم ينجع فاستدعى الحكيم أبا حليقة المذكور فأعطاه شربة من ذلك الترياق فبمقدار ما وصلت إلى معدته نفذت قوتها إلى موضع الحصاة ففتتتها وخرجت من الأراقة وهي مصبوغة بالدواء وخلص لوقته وخرج لخدمة سلطانه وأذن أذان الظهر وكان السلطان يومئذ مخيما على جيزة القاهرة فلما سمع صوته أمر بإحضاره إليه فلما حضر قال له ما ورقتك بالأمس وصلتنا وأنت تقول أنك كنت على الموت فأخبرني أمرك فقال يا مولانا الأمر كان كذلك لولا لحقني مملوك مولانا الحكيم أبو حليقة فأعطاني ترياقا خلصت به للوقت والحال واتفق أن في ذلك اليوم جلس إنسان ليريق ماء فنهشته أفعى في ذكره فقتلته فلما سمع السلطان بخبره رق عليه لأنه كان رؤوفا بالخلق ثم دخل إلى قلعة القاهرة بات بها وأصبح من باكر والحكيم المذكور قاعد في الخدمة عند زمام الدار على الباب والسلطان قد خرج فوقف واستدعاه إليه وقال له يا حكيم أيش هذا الترياق الذي عملته واشتهر نفعه للناس هذه الشهرة العظيمة ولم تعلمني به قط فقال يا مولانا المملوك لا يعمل شيئا إلا لمولانا وما سبب تأخير إعلامه إلا ليجربه المملوك لأنه هو الذي أنشأه فإذا صحت له تجربته ذكره لمولانا على ثقة منه وإذ قد صح هذا لمولانا فقد حصل المقصود فقال له تمضي وتحضر لي كلما عندك منه وترك خادما قاعدا على الباب في انتظاره ورجع إلى داره كأنه لم يطلع القلعة في تلك الليلة ولا خرج من الدار في تلك الساعة إلا لهذا المهم خاصة فمضى الحكيم المذكور إلى داره فوجد عنده من ذلك الترياق شيئا يسيرا لأن الخلق كانت تغنيه مما تطلبه منه فمضى إلى أصدقائه الذين كان أهدى لهم منه شيئا وجمع منه مقدار أحد عشر درهما ووعدهم بأنه يعطيهم عوضا عنه أضعافه فجعله في برنية فضة صغيرة وكتب عليه منافعه ومقدار الشربة منه وحملها إلى الخادم المذكور القاعد في انتظاره فحملها إلى السلطان ولم يزل حافظا لها فلما آلمته أسنانه دلكه عليها فحصل له منه من الراحة ما ذكر