ابن أبي أصيبعة

591

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

أخذه بالشبة فقال نعم قال هاته إلي فحمله الملك الكامل ووضعه بين يديه فمسك بيده وتحدث مع معه حدليناطويلا ثم التفت إلى والده وقد كان قائما في خدمته مع جملة القيام وقال له ولدك هذا ولد ذكي لا تعلمه الجندية فالأجناد عندنا كثيرون وأنتم بيت مبارك وقد استبركنا بطبكم تسيره إلى الحكيم أبي سعيد إلى دمشق ليقرئه الطب فامتثل والده الأمر وجهزه وسيره إلى دمشق أقام فيها مدة سنة كاملة حفظ فيها كتاب الفصول لأبقراط وتقدمة المعرفة ثم وصل إلى القاهرة في سنة تسع وخمسمائة ولم يزل مقيما بها وخدم بصناعة الطب الملك الكامل وكان كثير الاحترام له حظيا عنده وله منه الإحسان الكثير والإنعام المتصل وله خبز بالديار المصرية وهو الذي كان مقطعا باسم عمه موفق الدين أبي شاكر فإنه لما توفي أبو شاكر جعل الملك الكامل هذا الخبز باسم رشيد الدين المذكور وهو نصف بلد يعرف بالعزيزية والخربة من أعمال الشرقية ولم يزل في خدمة الملك الكامل إلى أن توفي رحمه الله ثم خدم بعده ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى أن توفي الملك الصالح رحمه الله وخدم أيضا ولد الملك الصالح بعد ذلك وهو الملك المعظم ترنشاه ولما قتل رحمه الله وذلك في يوم الاثنين سابع وعشرين المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وجاءت دولة الترك واستولوا على البلاد واحتووا على الممالك صار في خدمتهم وأجروه على ما كان باسمه ثم خدم منهم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الملك الصالح وبقي في خدمته على عادته المستمرة وقاعدته المستقرة وله منه الاحترام التام وجزيل الإنعام والإكرام وللحكيم رشيد الدين أبي حليقة نوادر في أعمال صناعة الطب وحكايات كثيرة تميز بها على غيره من جماعة الأطباء من ذلك أنه مرضت دار من بعض الآدر السلطانية بالعباسية وكان من سيرته معه أن لا يشرك معه طبيبا في مداواته وفي مداواة من يعز عليه من دوره وأولاده فباشر مداواة المريضة المذكورة أياما قلائل ثم حصل له شغل ضروري ألجأه إلى ترك المريضة ودخل القاهرة وأقام بها ثمانية عشر يوما ثم خرج إلى العباسية فوجد المريضة قد تولى مداواتها الأطباء الذين في الخدمة فلما حضر وباشر معهم قالوا له هذه المريضة تموت والمصلحة أن نعلم السلطان بذلك قبل أن يفاجئه أمرها بغتة فقال لهم إن هذه المريضة عندي ما هي في مرضة الموت وأنها تعافى بمشيئة الله تعالى من هذه المرضة فقال له أحدهم وهو أكبرهم سنا وكان الحكيم المذكور شابا إنني أكبر منك وقد باشرت من المرضى أكثر منك فتوافقني على كتابة هذه الرقعة فلم يوافقه فقالت جماعة الحكماء لا بد لنا من المطالعة فقال لهم إن كان لا بد لكم من هذه المطالعة فيكون بأسمائكم من دوني فكتب إليه الأطباء بموتها فسير إليهم رسولا ومعه نجار ليعمل لها تابوتا تحمل فيه ولما وصل الرسول