ابن أبي أصيبعة
520
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
اعتماده عليه في الطب وأناله من الأنعام والعطاء فوق أمنيته وكان مكينا عنده عالي القدر متميزا على كثير من أبناء زمانه وألف له أبو مروان بن زهر الترياق السبعيني واختصره عشاريا واختصره سباعيا ويعرف بترياق الأنتلة حدثني أبو القاسم المعاجيني الأندلسي أن الخليفة عبد المؤمن احتاج إلى شرب دواء مسهل وكان يكره شرب الأدوية المسهلة فتلطف له ابن زهر في ذلك وأتى إلى كرمة في بستانه فجعل الماء الذي يسقيها به ماء قد أكسبه قوة أدوية مسهلة بنقعها فيه أو بغليانها معه ولما تشربت الكرمة قوة الأدوية المسهلة التي أرادها وطلع فيها العنب وله تلك القوة أحم الخليفة ثم أتاه بعنقود منها وأشار عليه أن يأكل منه وكان حسن الاعتقاد في ابن زهر فلما أكل منه وهو ينظر إليه قال له يكفيك يا أمير المؤمنين فإنك قد أكلت عشر حبات من العنب وهي تخدمك عشر مجالس فاستخبره عن علة ذلك وعرفه به ثم قام على عدد ما ذكره له ووجد الراحة فاستحسن من فعله هذا وتزايدت منزلته عنده وحدثني الشيخ محيي الدين أبو عبد الله بن علي بن محمد بن العربي الطائي الحاتمي من أهل مرسية أن أبا مروان عبد الملك بن زهر كان في وقت مروره إلى دار أمير المؤمنين بأشبيلية يجد في طريقه عند حمام أبي الخير بالقرب من دار ابن مؤمل مريضا به سوء قتبه وقد كبر جوفه واصفر لونه فكان أبدا يشكو إليه حاله ويسأله النظر في أمره فلما كان بعض الأيام سأله مثل ذلك فوقف أبو مروان بن زهر عنده ونظر إليه فوجد عند رأسه إبريقا عتيقا يشرب منه الماء فقال اكسر هذا الإبريق فإنه سبب مرضك فقال له لا بالله يا سيدي فإني ما لي غيره فأمر بعض خدمه بكسره فكسره فظهر منه لما كسر ضفدع وقد كبر مما له فيه من الزمان فقال له ابن زهر خلصت يا هذا من المرض انظر ما كنت تشرب وبرأ الرجل بعد ذلك وحدثني القاضي أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك اللخمي ثم الباجي قال حدثني من أثق به أنه كان بأشبيلية حكيم فاضل في صناعة الطب يعرف بالفار وله كتاب جيد في الأدوية المفردة سفران وكان أبو مروان بن زهر كثيرا ما يأكل التين ويميل إليه وكان الطبيب المعروف بالفار لا يغتذي منه بشيء وإن أخذ منه شيئا فيكون واحدة في السنة فكان يقول هذا لأبي مروان بن زهر أنه لا بد أن تعرض لك نغلة صعبة بمداومتك أكل التين والنغلة هو الدبيلة بلغتهم وكان أبو مروان يقول له لا بد لكثرة حميتك وكونك لم تأكل شيئا من التين أن يصيبك الشناج قال فلم يمت المعروف بالفار إلا بعلة التشنج وكذلك أيضا عرض لأبي مروان بن زهر دبيلة في جنبه وتوفي بها وهذا من أبلغ ما يكون من تقدمة الإنذار قال ولما عرض لأبي مروان هذه العلة كان يعالجها ويصنع لها مراهم وأدوية ولم تؤثر نفعا يعتد به فكان يقول له ابنه أبو بكر يا أبي لو غيرت هذا الدواء بالدواء الفلاني ولو زدت من هذا الدواء أو استعملت دواء كذا وكذا فكان