ابن أبي أصيبعة
355
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
عن طبقتهم فإن الأمر كما قال أفلاطن الفضائل مرة الورد حلوة الصدر والرذائل حلوة الورد مرة الصدر وقد زاد أرسطوطاليس في هذا المعنى فقال إن الرذائل لا تكون حلوة الورد عند ذي فطرة فائقة بل يؤذيه تصور قبحها أذى يفسد عليه ما يستلذه غيره منها وكذلك يكون صاحب الطبع الفائق قادرا بنفسه على معرفة ما يتوخى وما يجتنب كالتام الصحة يكفي حسه في تعريفه النافع والضار فلا ترض لنفسك حفظك الله إلا بما تعلم أنه يناسب طبقة أمثالك وأغلب خطرات الهوى بعزمات الرجال الراشدين واطمح بنفسك إليها تتركك في طاعة عقلك فإنك تسر بنفسك وتراها في كل يوم مع اعتماد ذلك في رتبة علية ومرقاة من سماء في السعادة وكانت وفاة أمين الدولة ببغداد في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستين وخمسمائة وله من العمر أربع وتسعون سنة ومات نصرانيا وخلف نعما كثيرة وأموالا جزيلة وكتبا لا نظير لها في الجودة فورث جميع ذلك ولده وبقي مدة ثم إن ولد أمين الدولة خنق في دهليز داره الثلث الأول من الليل وأخذ ماله ونقلت كتبه على اثني عشر جملا إلى دار المجد بن الصاحب وكان ابن أمين الدولة قد أسلم قبل موته وقيل إنه كان شيخا قد ناهز الثمانين سنة ووجدت في أثناء كتاب كتبه السيد النقيب الكامل بن الشريف الجليل إلى أمين الدولة بن التلميذ وهو يمتدحه فيه بهذه القصيدة ( أمين الدولة أسلم للأيادي * علي رغم المناوي والمعادي ) ( وللمعروف تنشره إذا ما * طواه تناوب النوب الشداد ) ( فأنت المرء تلفى حين تدعى * جوادا بالطريف وبالتلاد ) ( وصولا للخليل على التنائي * ودودا لا يحول عن الوداد ) ( سديد الرأي والأقوال تأبى * نهاه أن يميل عن السداد ) ( سأشكر ما صنعت من الأيادي * إلي على التداني والبعاد ) ( وأثني والثناء عليك حق * بما أوليتني في كل نادي ) ( وهل شكري على مر الليالي * ينال مدى ولائي واعتقادي ) ( دعوتك والزمان به حران * فأمسى وهولي سهل القياد ) ( أناديه فيسمعني وقدما * تجانب لي أصم عن المنادي ) ( وكم من منة لك لا توازي * بلا من لدي ولا اعتداد ) ( ومن بيضاء قد عمرت بقلبي * محلك منه في أقصى سواد ) ( أرى الأشواق نحوك في فؤادي * كمثل النار في حجر الزناد ) ( متى ولعت به ذكراك كادت * لحر الوجد تلفظني بلادي ) ( تحن ركائبي وأحن شوقا * إذا خطر اللقاء على فؤادي )