ابن أبي أصيبعة
264
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
صورة المسيح مصلوبا وصور ناس حوله فقال له الطيفوري يا حنين هؤلاء صلبوا المسيح قال نعم فقال له ابصق عليهم قال حنين لا أفعل قال الطيفوري ولم قال لأنهم ليسوا الذين صلبوا المسيح إنما هي صور فاشتد ذلك على الطيفوري ورفعه إلى المتوكل يسأله إباحة الحكم عليه بديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والأساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا اللعنة على حنين فلعن سبعين لعنة بحضرة الملأ من النصارى وقطع زناره وأمر المتوكل أن لا يصل إليه دواء من قبل حنين حتى يستشرف على عمله الطيفوري وانصرف حنين إلى داره فمات من ليلته فيقال مات غما وأسفا أقول هذه حكاية ابن جلجل وكذلك أيضا وجدت أحمد بن يوسف بن إبراهيم قد ذكر في رسالته في المكافأة ما يناسب هذه الحكاية عن حنين والأصح في ذلك أن بختيشوع بن جبرائيل كان يعادي حنين بن إسحاق ويحسده على علمه وفضله وما هو عليه من جودة النقل وعلو المنزلة فاحتال عليه بخديعة عند المتوكل وتم مكره عليه حتى أوقع المتوكل به وحبسه ثم إن الله تعالى فرج عنه وظهر ما كان احتال به عليه بختيشوع بن جبرائيل وصار حنين حظيا عند المتوكل وفضله على بختيشوع وعلى غيره من سائر المتطببين ولم يزل على ذلك في أيام المتوكل إلى أن مرض حنين فيما بعد المرض الذي توفي فيه وذلك في سنة أربع وستين ومائتين وتبين لي جملة ما يحكى عن حنين من ذلك وصح عندي من رسالة وجدت حنين بن إسحاق قد ألفها فيما أصابه من المحن والشدائد من الذين ناصبوه العداوة من أشرار أطباء زمانه المشهورين وهذا نص قوله قال حنين بن إسحاق إنه لحقني من أعدائي ومضطهدي الكافرين بنعمتي الجاحدين لحقي الظالمين لي المتعدين علي من المحن والمصائب والشرور ما منعني من النوم وأسهر عيني وأشغلني عن مهماتي وكل ذلك من الحسد لي على علمي وما وهبه الله عز وجل لي من علو المرتبة على أهل زماني وأكثر أولئك أهلي وأقربائي فإنهم أول شروري وابتداء محني ثم من بعدهم الذي علمتهم وأقرأتهم وأحسنت إليهم وأرقدتهم وفضلتهم على جماعة أهل البلد من أهل الصناعة وقربت إليهم علوم الفاضل جالينوس فكافأوني عوض المحاسن مساوئ بحسب ما أوجبته طباعهم وبلغوا بي إلى أقبح ما يكون من إذاعة أوحش الأخبار وكتمان جليل الأسرار حتى ساءت بي الظنون وامتدت إلي العيون ووضع علي الرصد حتى أنه كان يحصي علي ألفاظي ويكثر إتهامي بما دق منها مما ليس غرضي فيه ما أومأوا إليه فأوقعوا بغضتي في نفوس سائر أهل الملل فضلا عن أهل مذهبي وعملت لي المجالس بالتأويلات الرذلة وكلما اتصل ذلك بي حمدت الله حمدا جديدا وصبرت على ما قد دفعت إليه فآلت القضية بي إلى أن بقيت بأسوأ ما يكون من الحال من الإضافة والضر محبوسا مضيقا علي مدة من الزمان لا تصل يدي إلى شيء من ذهب ولا فضة ولا كتاب وبالجملة ولا ورقة انظر فيها ثم إن الله عز وجل نظر إلي بعين رحمته فجدد لي نعمه وردني إلى ما كنت عارفا به من فضله وكان سبب رد نعمتي إلي بعض من كان قد التزم عداوتي واختص بها ومن ههنا صح ما قاله جالينوس أن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار فلعمري لقد كان ذلك أفضل الأعداء وأنا الآن مبتدئ بذكر ما جرى على مما تقدم ذكره فأقول