ابن أبي أصيبعة

265

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

كيف لا أبغض ويكثر حاسدي ويكثر ثلبي في مجالس ذوي المراتب ويبذل في قتلي الأموال ويعز من شتمني ويهان من أكرمني كل ذلك بغير جرم لي إلى واحد منهم ولا جناية لكنهم لما رأوني فوقهم وعاليا عليهم بالعلم والعمل ونقلي إليهم العلوم الفاخرة من اللغات التي لا يحسنونها ولا يهتدون إليها ولا يعرفون شيئا منها في نهاية ما يكون من حسن العبارة والفصاحة ولا نقص فيها ولا زلل ولا ميل لأحد من الملل ولا استغلاق ولا لحن باعتبار أصحاب البلاغة من العرب الذين يقومون بمعرفة وجوه النحو والغريب ولا يعثرون على سيئة ولا شكلة ولا معنى لكن بأعذب ما يكون عن اللفظ وأقربه إلى الفهم يسمعه من ليس صناعته الطب ولا يعرف شيئا من طرقات الفلسفة ولا من ينتحل ديانة النصرانية وكل الملل فيستحسنه ويعرف قدره حتى أنهم قد يغرمون على ما كان من الذي أنقل الأموال الكثيرة إذ كانوا يفضلون هذا النقل على نقل كل من قبلي وأيضا فأقول ولا أخطئ أن سائر أهل الأدب وإن اختلفت مللهم محبون لي ماثلون إلي مكرمون لي يأخذون ما أفيدهم بشكر ويجازوني بكل ما يصلون إليه من الجميل فأما هؤلاء الأطباء النصارى الذين أكثرهم تعلموا بين يدي نشأوا قدامي هم الذين يرومون سفك دمي على أنهم لا بد لهم مني فمرة يقولون من هو حنين إنما حنين ناقل لهذه الكتب ليأخذ على نقله الأجرة كما يأخذ الصناع الأجرة على صناعتهم ولا فرق عندنا بينه وبينهم لأن الفارس قد يعمل له الحداد السيف في المثل بدينار ويأخذ هو من أجله في كل شهر مائة دينار فهو خادم لأدائنا وليس هو عامل بها كما أن الحداد وإن كان يحسن صنعة السيف إلا أنه ليس يحسن يعمل به فما للحداد وطلب الفروسية كذلك هذا الناقل ماله والكلام في صناعة الطب ولم يحكم في عللها وأمراضها وإنما قصده في ذلك التشبيه بنا ليقال حنين الطبيب ولا يقال حنين الناقل والأجود له لو أنه لزم صناعته وأمسك عن ذكر صناعتنا لقد كان يكون أجدى عليه فيما كنا سنوصله إليه من أموالنا ونحسن إليه ما أمكننا وذلك يتم له بترك أخذ المجلس والنظر في قوارير الماء ووصف الأدوية ويقولون أن حنينا ما يدخل إلى موضع من الدور الخاصة والعامة إلا يهزؤون به ويتضاحكون منه عند خروجه فكنت كلما سمعت شيئا من هذا ضاق به صدري وهممت أن أقتل نفسي من الغيظ والزرد وما كان لي إليهم سبيل إذ كان الواحد لا يستوي له مقاومة الجامعة عند تظافرهم عليه لكني كنت أضمر وأعلم أن حسدهم هو الذي يدعوهم إلى سائر الأشياء وإن كان لا يخفى عليهم قبحها فإن الحسد لم يزل بين الناس على قديم الأيام حتى من يعتقد الديانة قد يعلم أن أول حاسد كان في الأرض قابيل في قتله لأخيه هابيل لما لم يقبل الله قربانه وقبل قربان هابيل وما لم يزل قديما فليس بعجب أن أكون أنا أيضا أحد من يؤذى بسببه وقد يقال كفى بالحاسد حسده ويقال إن الحاسد يقتل نفسه قبل عدوه ولقد أكثرت العرب ذكر الحسد في الشعر ونظموا فيه الأبيات منها قول بعضهم ( أن يحسدوني فإني غير لائمهم * قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا )