ابن أبي أصيبعة
208
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
من أين لك هذا قال من الناس الكرام ثم حدث أنه صار إلى أبي من أم جعفر زبيدة في ثلاث مرات ثلاثمائة ألف دينار بثلاث شكايات عالجها فيها واحدتها أنها شكت عارضا في حلقها منذرة بالخناق فأشار إليها بالفصد والتطفئة والتغدي بحشو وصفه فاحضر على نسخته في غضارة صينية عجيبة الصفة وفيها هذه الملعقة فغمزني أبي على رفعها ففعلت ولففتها في طيلساني وجاذبنيها الخادم فقالت له لاطفه ومره بردها وعوضه منها عشرة آلاف دينار فامتنعت وقال أبي يا ستي إن ابني لم يسرق قط فلا تفضحيه في أول كراته لئلا ينكسر قلبه فضحكت ووهبتها له وسئل عن الأخرتين فقال إنها اشتكت إليه النكهة بإخبار إحدى بطانتها إياها وذكرت أن الموت أسهل عليها من ذلك فجوعها إلى العصر وأطعمها سمكا ممقورا وسقاها دردي نبيذ دقل بإكراه فغثت نفسها وقذفت وكرر ذلك عليها ثلاثة أيام ثم قال لها تنكهي في وجه من أخبرك بذلك واستخبريه هل زال والثالثة أنها أشرفت على التلف من فواق شديد يسمع من خارج الحجرة فأمر الخدم بإصعاد خوابي إلى سطح الصحن وتصفيفها حوله على الشفير وملأها ماء وجلس خادم خلف كل جب حتى إذا صفق بيده على الأخرى دفعوها دفعة إلى وسط الدار ففعلوا وارتفع لذلك صوت شديد أرعبها فوثبت وزايلها الفواق قال أبو علي القياني حدثني أبي قال دخلت يوما إلى بختيشوع وكان من أيام الصيف وجلست فإذا هو قد رفع طرفه إلى خادمه وقال له هات فجاء بقدح فيه نحو نصف رطل شراب عتيق وعلى طرف خلالة ذهب شيء أسود فمضغه ثم شرب الشراب عليه وصبر ساعة فرأيت وجهه يتقد كالنار ثم دعا بأطباق فيها خوخ جبلي في نهاية الحسن فأقبل يقطع ويأكل حتى انتهى وسكن تلهبه وعاد وجهه إلى حاله فقلت له حدثني بخبرك فقال اشتهيت الخوخ شهوة شديدة وخفت ضررها فاستعملت الترياق والشراب حتى نقرت الحجر ليجيد الطحن وقال أبو علي القياني عن أبيه قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال كان بختيشوع الطبيب صديقا لأبي وكان لنا نديم كثير الأكل عظيم الخلق فكان كلما رآه قال له أريد أن تركب لي شربة وأبرمه إلى أن وصف له دواء فيه شحم الحنظل وسقمونيا وقال بختيشوع لأبي ملاك الأمر كله أن يأكل أكلا خفيفا ويضبط نفسه فيما بعد عن التخليط فأطعم يوم الحمية في دارنا واقتصر على اسفيدباج من ثلاثة أرطال خبز فلما استوفى ذلك طلب زيادة عليه فمنع واعتقله أبي عنده إلى آخر الأوقات ووجه إلى امرأته يوصيها أن لا تدع شيئا يؤكل في داره ولما علم أن الوقت قد ضاق عليه أطلقه إلى منزله فطلب من امرأته شيئا يأكله فلم يجد عندها شيئا وكانت قد أغفلت برنية فيها فتيت على الرف فوجده وأخذ منه أرطالا ثم أصبح وأخذ الدواء فتحير وورد على المعدة وهي ملأى فلم يؤثر وتعالى النهار فقال قد خرف بختيشوع وعمد إلى عشرة أرطال لحم شرائح فأكلها مع