ابن أبي أصيبعة
204
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وعليه جبة يماني سعيدي مثقلة ومطرف قد التحف به فعجبت من زيه فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم فضحك وأمر لي بجبة ومطرف وقال يا غلام اكشف جوانب القبة فكشفت فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج وغلمان يروحون ذلك الثلج فيخرج منه البرد الذي لحقني ثم دعا بطعامه فأتي بمائدة في غاية الحسن عليها كل شيء ظريف ثم أتى بفراريج مشوية في نهاية الحمرة وجاء الطباخ فنفضها كلها فانتفضت وقال هذه فراريج تعلف اللوز والبزر قطونا وتسقى ماء الرمان ولما كان في صلب الشتاء دخلت عليه يوما والبرد شديد وعليه جبة محشوة وكساء وهو جالس في طارمة في الدار على بستان في غاية الحسن وعليها سمور قد ظهرت به وفوقه جلال حرير مصبغ ولبود مغربية وانطاع أدم يمانية وبين يديه كانون فضة مذهب مخرق وخادم يوقد العود الهندي وعليه غلالة قصب في نهاية الرفعة فلما حصلت معه في الطارمة وجدت من الحر أمرا عظيما فضحك وأمر لي بغلالة قصب وتقدم يكشف جوانب الطارمة فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد وكوانين فيها فحم الغضا وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق كما تكون للحدادين ثم دعا بطعامه فأحضروا ما جرت به العادة في السرو والنظافة فأحضرت فراريج بيض شديدة البياض فبشعتها وخفت أن تكون غير نضيجة ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت فسألته عنها فقال هذه تعلف الجوز المقشر وتسقى اللبن الحليب وكان يختيشوع بن جبرائيل يهدي البخور في درج ومعه درج آخر فيه فحم يتخذ له من قضبان الأترج والصفصاف وشنس الكرم المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد المخلوط بالمسك والكافور وماء الخلاف والشراب العتيق ويقول أنا أكره أن أهدي بخورا بغير فحم فيفسده فحم العامة ويقال هذا عمل بختيشوع وحدث أبو محمد بدر بن أبي الأصبع عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن الجراح عن أبيه أن المتوكل قال يوما لبختيشوع ادعني فقال السمع والطاعة فقال أريد أن يكون ذلك غدا قال نعم وكرامة وكان الوقت صائفا وحره شديدا فقال بختيشوع لأعوانه وأصحابه أمرنا كله مستقيم إلا الخيش فإنه ليس لنا منه ما يكفي فاحضر وكلاءه وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من