ابن أبي أصيبعة
205
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
الخيش بسر من رأى ففعلوا ذلك وأحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع فقطع لداره كلها صونها وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشا حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيش وأنه فكر في روائحه التي لا تزول إلا بعد استعماله مدة فأمر بابتياع كل ما يقدر عليه بسر من رأى من البطيخ وأحضر أكثر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها وأصبح وقد انقطعت روائحه فتقدم إلى فراشيه فعلقوا جميعه في المواضع المذكورة وأمر طباخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جونة في كل جونة باب خبز سميد دست رقاق وزن الجميع عشرون رطلا وحمل مشوي وجدي بارد وفائقة ودجاجتين مصدرتان وفرخان ومصوصان وثلاثة ألوان وجام حلواء فلما وافه المتوكل رأى كثرة الخيش وجدته فقال أي شيء ذهب برائحته فأعاد عليه حديث البطيخ فعجب من ذلك وأكل هو وبنو عمه والفتح بن خاقان على مائدة واحدة وأجلس الأمراء والحجاب على سماطين عظيمين لم ير مثلهما لا مثاله وفرقت الجون على الغلمان والخدم والنقباء والركابية والفراشين والملاحين وغيرهم من الحاشية لكل واحد جونة وقال قد أمنت ذمهم لأنني ما كنت آمن لو أطعموا على موائد أن يرضى هذا ويغضب الآخر ويقول واحد شبعت ويقول آخر لم أشبع فإذا أعطى كل إنسان جونة من هذه الجون كفته واستشرف المتوكل على الطعام فاستعظمه جدا وأراد النوم فقال لبختيشوع أريد أن تنومني في موضع مضيء لا ذباب فيه وظن أنه يتعنته بذلك وقد كان بختيشوع تقدم بأن تجعل أجاجين السيلان في سطوح الدار ليجتمع الذباب عليه فلم يقرب أسافل الدور ذبابة واحدة ثم أدخل المتوكل إلى مربع كبير سقفه كله بكواء فيها جامات يضيء البيت منها وهو مخيش مظهر بعد الخيش بالدبقي المصبوغ بماء الورد والصندل والكافور فلما اضطجع للنوم أقبل يشم روائح في نهاية الطيب لا يدري ما هي لأنه لم ير في البيت شيئا من الروائح والفاكهة والأنوار ولا خلف الخيش لا طاقات ولا موضع يجعل فيه شيء من ذلك فتعجب وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح حتى يعرف صورتها فخرج يطوف فوجد حول البيت من خارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبوابا صغارا لطافا كالطاقات محشوة بصنوف الرياحين