ابن أبي أصيبعة

121

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

والأدباء فانكب على قدم أبي إسحق ليقبلها فمنعه من ذلك وضمه إليه وقال سليمان بن حسان وكان جالينوس في دولة نيرون قيصر وهو السادس من القياصرة الذي ملكوا رومية وطاف جالينوس البلاد وجالها ودخل إلى مدينة رومية مرتين فسكنها وغزا مع ملكها لتدابير الجرحي وكانت له بمدينة رومية مجالس عامية خطب فيها وأظهر من علمه بالتشريح ما عرف به فضله وبان علمه وذكر جالينوس في كتابه محنة الطبيب الفاضل ما هذا حكايته قال إني منذ صباي تعلمت طريق البرهان ثم إني لما ابتدأت بعلم الطب رفضت اللذات واستخففت بما فيه من عرض الدنيا ورفضته حتى وضعت عن نفسي مؤونة البكور إلى أبواب الناس للركوب معهم من منازلهم وانتظارهم على أبواب الملوك للانصراف معهم إلى منازلهم وملازمتهم ولم أفن دهري واشق نفسي في هذا التطواف على الناس الذي يسمونه تسليما لكن أشغلت نفسي دهري كله بأعمال الطب والروية والفكر فيه وسهرت عامة ليلي في تقليب الكنوز التي خلفها القدماء لنا فمن قدر أن يقول إنه فعل مثل هذا الفعل الذي فعلت ثم كانت معه طبيعة ذكاء وفهم سريع يمكن معها قبول هذا العلم العظيم فواجب أن يوثق به قبل أن يجرب قضاياه وفعله في المرضى ويقضي عليه بأنه أفضل ممن ليس معه ما وصفنا ولا فعل ما عددناه وبهذا الطريق سار رجل من رؤساء الكمريين عند رجوعي إلى مدينة من البلدان التي كنت نزعت إليها على أنه لم يكن تم لي ثلاثون سنة إلى أن ولاني علاج جميع المجروحين من المبارزين في الحرب وقد كان يولي أمرهم قبل ذلك رجلان أو ثلاثة من المشايخ فلما أن سئل ذلك الرجل عن طريق المحنة التي امتحنني بها حتى وثق بي فولاني أمرهم قال إني رأيت الأيام التي أفناها هذا الرجل في التعليم أكثر من الأيام التي أفناها غيره من مشايخ الأطباء في تعلم هذا العلم وذلك أني رأيت أولئك يفنون أعمارهم فيما لا ينتفع به ولم أر هذا الرجل يفني يوما واحدا ولا ليلة من عمره في الباطل ولا يخلو في يوم من الأيام ولا في وقت من الارتياض فيما ينتفع به وقد رأيناه أيضا فعل أفعالا قريبا هي أصح في الدلالة على حذقه بهذه الصناعة من سنى هؤلاء المشايخ وقد كنت حضرت مجلسا عاما من المجالس التي تجتمع فيها الناس لاختبار علم الأطباء فأريت من حضر أشياء كثيرة من أمر التشريح وأخذت حيوانا فشققت بطنه حتى أخرجت أمعاءه ودعوت من حضر من الأطباء إلى ردها وخياطة البطن على ما ينبغي فلم يقدم أحد منهم على ذلك وعالجناه نحن فظهر منا فيه حذق ودربة وسرعة كف وفجرنا أيضا عروقا كبارا بالتعمد ليجري منها الدم ودعونا مشايخ من الأطباء إلى علاجها فلم يوجد عندهم شيء وعالجتها أنا فتبين لمن كان له عقل ممن حضر أن الذي ينبغي أن يتولى أمر المجروحين من كان معه من الحذق ما معي فلما ولاني ذلك الرجل أمرهم وهو أول من ولاني هذا الأمر اغتبط بذلك وذلك أنه لم يمت من