ابن أبي أصيبعة

122

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

جميع من ولاني أمره إلا رجلان فقط وقد كان مات ممن تولى علاجه طبيب كان قبلي ستة عشر نفسا ثم ولاني بعده أمرهم رجل آخر من رؤساء الكمريين فكان بتوليته إياي أسعد وذلك أنه لم يمت أحد ممن ولانيه على أنه قد كانت بهم جراحات كثيرة جدا عظيمة وإنما قلت هذا لأدل كيف يقدر الممتحن أن يمتحن ويميز بين الطبيب الماهر وبين غيره قبل أن يجرب قوله وعلمه في المرضى ولا يكون امتحانه له كما يمتحن الناس اليوم الأطباء ويقدمون منهم من ركب معهم واشتغل بخدمتهم الشغل الذي لا يمكن معه الفراغ لأعمال الطب بل يكون تقديمه واختياره لمن كان على خلاف ذلك وكان شغله في دهره كله في أعمال الطب لا غيرها قال وإني لأعرف رجلا من أهل العقل والفهم قدمني من فعل واحد رآني فعلته وهو تشريح حيوان بينت به بأي الآلات يكون الصوت وبأي الحركة منها وكان عرض لذلك الرجل قبل ذلك الوقت بشهرين أن سقط من موضع عال فتكسرت من بدنه أعضاء كثيرة وبطل عامة صوته حتى صار كلامه بمنزلة السرار وعولجت أعضاؤه فصلحت وبرأت بعد أيام كثيرة وبقي صوته لا يرجع فلما أن رأى مني ذلك الرجل ما رأى وثق بي وقلدني أمر نفسه فابرأته في أيام قلائل لأني عرفت الموضع الذي كانت الآفة فيه فقصدت له وقال وإني لأعرف رجلا آخر سقط من دابته فتهشم ثم عولج فبرأ من جميع ما كان ناله خلا أن إصبعين من أصابع كفه وهما الخنصر والبنصر بقيتا خدرتين زمانا طويلا وكان لا يحس بهما كثير حس ولا يملك حركتهما على ما ينبغي وكان من ذلك أيضا شيء في الوسطى فجعل الأطباء يضعون على تلك الأصابع أدوية مختلفة وكلها لم تنجح وكلما وضعوا دواء انتقلوا منه إلى غيره فلما أتاني سألته عن الموضع الذي قرع الأرض من بدنه فلما قال لي أن الموضع الذي قرع منه هو ما بين كتفيه وكنت قد علمت من التشريح أن مخرج العصبة التي تأتي هاتين الأصبعين أول خرزة فيما بين الكتفين علمت أن أصل البلية هو الموضع الذي تنبت فيه تلك العصبة من النخاع فوضعت على ذلك الموضع الذي تنبت منه تلك العصبة بعض الأدوية التي كانت توضع على الأصابع بعد أن أمرت فقلعت عن الأصابع تلك الأدوية التي توضع عليها باطلا فلم يلبث إلا يسيرا حتى برئ وبقي كل من رأى ذلك يتعجب من أن ما بين الكتفين يعالج فتبرأ الأصابع قال وأتاني رجل آخر أصابته آفة في صوته وشهوته للطعام معا فابرأته بأدوية وضعتها على رقبته وكان العارض لذلك الرجل ما أصف لك كان به خنازير عظيمة في رقبته في كلا الجانبين فعالجه بعض المعالجين فقطع تلك الخنازير وأورثه بسوء احتياطته بردا في العصبتين المجاورتين للعرقين النابضين الشاخصين في الرقبة وهاتان العصبتان تنبتان في أعضاء كثيرة وتأتي منهما شعبة عظيمة