الثعلبي

220

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

خلّة ، فأذن له حتى أتى إدريس وكان يسأله إدريس فكان ممّا سأله أن قال له : أُخبرت أنّك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فازداد شكراً وعبادة ، فقال الملك : لا يؤخّر الله نفساً إذا جاء أجلها قال : قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي ، فقال : نعم أنا مكلّمه لك فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك ، ثم حمله ملك الشمس على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ، ثمّ أتى ملك الموت فقال : حاجة لي إليك ، فقال : أفعل كلّ شيء أستطيعه قال : صديق لي من بني آدم تشفّع بي إليك لتؤخّر أجله قال : ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت أعلمته أجله متى يموت فيقدّم في نفسه ، قال : نعم ، فنظر في ديوانه وأخبر باسمه فقال : إنك كلّمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً ، قال : وكيف ؟ قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس ، قال : إنّي اتيتك وتركته هناك ، قال : انطلق فما أراك تجده إلاّ وقد مات ، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء ، فرجع الملك فوجده ميّتاً وقال وهب : كان يرفع لإدريس كلّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه ، فعجبت منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن ربّه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم ، وكان إدريس صائماً يصوم الدهر ، فلّما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس فقال له الليلة الثالثة : إنىّ أُريد أن أعلم من أنت ، قال : أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فأَذن لي ، قال : فلي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قال : تقبض روحي ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن اقبض روحه ، فقبض روحه وردّها الله عليه بعد ساعة . قال له ملك الموت : ما الفائدة في سؤالك قبض الروح ؟ قال : لأذوق كرب الموت وغمّته فأكون له أشدّ استعداداً ، ثم قال إدريس له : لي إليك حاجة أُخرى ، قال : وما هي ؟ قال : ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجّنة وإلى النار ، فأذن الله له في رفعه إلى السماوات ، فلمّا قرب من النار قال : حاجة قال : وما تريد ؟ قال : تسأل مالكاً حتى يفتح لي بابها فأردها ، ففعل ثمّ قال : فكما أريتني النار فأرني الجّنة ، فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنّة ، ثم قال له ملك الموت : اخرج لتعود إلى مقرّك فتعلّق بشجرة وقال : لا أخرج منها ، فبعث الله ملكاً حكماً بينهما ينظر في قولهما فقال له الملك : ما لك لا تخرج ؟ قال : لأن الله تعالى قال : " * ( كُلُّ نَفس ذائِقَةُ المَوْتِ ) * ) وقد ذقته ، وقال " * ( وَاِنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُها ) * ) وقد وردتها ، وقال " * ( وَمَا هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ) * ) فلست أخرج ، فأوحى الله سبحانه إلى ملك الموت : دخل الجنة وبأمري يخرج ، فهو حيّ هناك فذلك قوله : " * ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ) * ) .