الثعلبي

156

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

َ ثيابهم ، فخرّ أرموس وأصحابه سجّداً ، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته ، ثمّ كلّم بعضهم بعضاً وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس . ثمّ إن أرموس وأصحابه بعثوا بريداً إلى ملكهم الصالح تيدوسيس أن عجّل ، لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله على ملكك ، وجعلها آية للعالمين لتكون نوراً وضياءً وتصديقاً للبعث ، فاعجل على فتية بعثهم الله تعالى ، وقد كان توفّاهم منذ أكثر من ثلاثمئة سنة . فلما أتى الملك الخبر قام من المسندة التي كان عليها ورجع إليه عقله ، وذهب عنه همّه ، ورجع إلى الله عز وجّل ، فقال : أحمدك الله ربّ السماوات والأرض ، وأعبدك وأُسبّح لك تطوّلت علي ، ورحمتني برحمتك ، فلم تطفئ النّور الذي كنت جعلت لآبائي وللعبد الصالح قسطيطوس الملك . فلمّا نبّأ به أهل المدينة ركبوا وساروا حتى أتوا مدينة دقيانوس فتلقّاهم أهل المدينة وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه ، فلما رأى الفتية تيدوسيس فرحوا به وخرّوا سجّداً على وجوههم ، وقام تيدوسيس قدامهم ثمّ اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبّحون الله عزّ وجلّ ويحمدونه ، ثمّ قال الفتية لتيدوسيس : نستودعك الله ، ونقرأ عليك السلام ، وحفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شرّ الجن والإنس . فبينا الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفّى الله أنفسهم ، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه عليهم وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوت من ذهب ، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام فقالوا : إنّا لم نخلق من ذهب ولا فضّة ، ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير ، فاتركنا كما كنّا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله عزّ وجلّ منه . فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم بالرعب ، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم ، وأمر الملك فجُعل على باب الكهف مسجدٌ يُصلّى فيه ، وجعل لهم عيداً عظيماً ، وأمر أن يؤتى كل سنة . وقيل : إنهم لما أتوا إلى باب الكهف قال تمليخا : دعوني حتّى أدخل على أصحابي فأُبشّرهم ؛ فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم . فدخل فبشّرهم ، وقبض الله روحه وأرواحهم ، وعمي عليهم مكانهم ، فلم يهتدوا إليه . فهذا حديث أصحاب أهل الكهف . ويقال : إنّ نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم سأل ربّه أن يريه إيّاهم ، فقال : ( إنّك لن تراهم في دار الدنيا ، ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك ) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل ( عليه السلام ) : ( كيف أبعثهم ؟ ) . قال : ( ابسط كساءً لهم ، وأجلس على طرف من أطرافها أبا بكر ، وعلى الثاني عمر وعلى الثالث عليًّا ، وعلى الرابع أبا ذر ،