الثعلبي

27

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

معنى النجس والسبب الذي من أجله سمّاهم بذلك ، فروي عن ابن عباس : ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب ، وهذا قول غير مرضي لمعنيين أحدهما أنه روي عنه من وجه غير حميد فلا يصح عنه ، والآخر أن هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين ؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام ، ولا يستوي في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد ، واحتج من قال أعيانهم نجسة بما روي أن عمر بن عبد العزيز كتب أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين ، وأتبع نهيه بقول الله تعالى " * ( إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) * ) . وكما روي عن الحسن أنه قال : لا تصافحوا المشركين . فمن صافحهم فليتوضّأ ، وقال قتادة : سمّاهم نجساً لأنهم يجنبون ولا يغتسلون ، ويحدثون ولا يتوضؤون ، فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا ينبغي أن يدخل المسجد . وقال الحسين بن الفضل : هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين فسموا نجساً على الذّم ، يدلّ عليها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى حذيفة فأخذ صلى الله عليه وسلم بيده ، فقال حذيفة : يا رسول الله إنّي جنب ، فقال : ( إن المؤمن لا ينجس ) . " * ( فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ ) * ) قال أهل المعاني : أراد بهذا منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام ، قال عطاء الحرم كلّه قبلة ومسجد وتلا هذه الآية . جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد لرجل من المسلمين ، ونساؤهم حل لكم ، وقرأ : بعد عامهم هذا يعني العام الذي حج فيه أبو بكر ح عنه بالناس ، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة وهو سنة تسع في الهجرة " * ( وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) * ) الآية . قال المفسرون : وكان المشركون يجلبون إلى البيت الطعام ويتّجرون ويتبايعون ، فلمّا منعوا من دخول الحرم شقّ ذلك على المسلمين ، والقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال لهم : من أين تأكلون وتعيشون وقد بقي المشركون وانقطعت عنهم العير . فقال المؤمنون : يا رسول الله قد كنّا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم فالآن تنقطع عنّا الأسواق ويملك التجارة ، ويذهب ما كنّا نصيب منها من المرافق ، فأنزل الله عز وجل " * ( وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) * ) . وقال عمرو بن فايد : معناه وإذا خفتم ؛ لأن القوم كانوا قد خافوا ، وذلك هو قول القائل : إن كنت أبي فأكرمني يعني ( إن خفت ) عيلة فقراً وفاقة . يقال عال يعيل عيلة وعيولا . قال الشاعر :