الثعلبي
211
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وأما أهل الحقائق فإنّهم قالوا في وجه هذه الآية : إنّ الهمّ همّان : همٌّ مُقيمٌ ( ثابت ) وهو إذا كان مع عزيمة وعقد ونيّة ورضى مثل همّ امرأة العزيز فالعهد مأخوذ . وهمٌّ عارض وارد وهو الخطرة والفكرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزيمة مثل همّ يوسف ( عليه السلام ) ، والعهد غير مأخوذ ما لم يتكلّم به أو يفعله ، يدلّ عليه ما روي عن ابن ( المبارك ) قال : قلتُ لسفيان : أيؤخذ العهد بالهمّة ؟ قال : إذا كان عزماً أُخذ بها . وروي عن أبي هُريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عزّ وجل : ( إذا همّ عبدي بالحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة ، وإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هَمَّ عبدي بالسيّئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإنْ عملها كتبتها عليه سيّئة واحدة ، فإنْ تركها من أجلي كتبتها له حسنة ) . والقول بإثبات مثل هذه : الزلاّت والصغائر على الأنبياء ( عليهم السلام ) غير محظور لضرب من الحكمة : أحدها : ليكونوا من الله تعالى على وجل إذا ذكروها فيجدّون في طاعته إشفاقاً منها ولا يتّكلون على سعة رحمة الله . والثاني : ليُعرّفهم موقع نعمته وامتنانه عليهم بصرفه عنهم . والثالث : ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك اليأس من عفوه وفضله . وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من أحد إلاّ يلقى الله عزّ وجل قد هَمّ بخطيئة أو عملها إلاّ يحيى بن زكريا فإنّه لم يهم ولم يعملها ) . وعن مصعب بن عبد الله قال : حدّثني مصعب بن عثمان قال : كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهاً ، فدخلت عليه امرأة تستفتيه : ( فتأمنته ) بنفسه فامتنع عليها وذكّرها ، فقالت له : إن لم تفعل لأشهّرنَّ بك ولأصيحنَّ بك ، قال : فخرج وتركها ، فرأى في منامه يوسف النبي ( عليه السلام ) ، فقال له : أنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف النبي هممتُ وأنت سُليمان الذي لم تَهمّ . وأمّا البرهان الذي رآه يوسف ( عليه السلام ) فإنّ العلماء اختلفوا فيه ، فأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن أبي العباس الأصمّ عن الحسن بن علي ، عن الحسين بن عطية عن إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد عن ابن عباس " * ( لَوْلاَ أَن رَّأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) * ) قال : مثل له يعقوب فضرب يده في صدره ، فخرجت شهوته من أنامله