الثعلبي
152
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال مقاتل : كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل . قال ابن عباس : قدر ثلثي ميل . قال وهب : غامت السماء غيماً أسود هائلا يدخل دخاناً شديداً ، وهبط حتى غشى مدينتهم واسودّت سطوحهم ، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيّهم فلم يجدوه ، فقذف الله في قلوبهم التوبة فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا النية ، وفرّقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام ، فحنّ بعضهم إلى بعض ، وعلت أصواتهم واختلطت أصواتها بأصواتهم وحنينها بحنينهم ، وعجوا وضجوا إلى الله تعالى وقالوا : آمنّا بما جاء به يونس ، فرحمهم ربّهم واستجاب دعاءهم ، وكشف عنهم العذاب بعدما أظلّهم وتدلّى إلى سمعهم ، وذلك يوم عاشوراء . قال ابن مسعود : بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادّوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس فيقلعه ويردّه . وروى صالح المري عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد ، قال : لما غشى قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم ، فقالوا له : قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال : قولوا : يا حيّ حين لا حي ويا حي ( يا ) محيي الموتى ، ويا حي لا إله إلاّ أنت ، فقالوها ، فكشف عنهم العذاب ومُتّعوا إلى حين . قالوا : وكان يونس ( عليه السلام ) وعدهم العذلب فخرج ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم يرَ شيئاً ، وكان من كذب ولم تكن له بيّنة قتل ، فقال يونس لما كشف عنهم العذاب : كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم ؟ فانطلق عاتباً على ربه ، مغاضباً لقومه فأتى البحر ( فإذ سفينة قد شحنت ) فركب السفينة ( لوحده ) بغير أجر ، فلمّا دخلها وقفت السفينة ، والسفن تسير يميناً وشمالا قالوا : ما لسفينتكم ؟ قال يونس : إنّ فيها عبداً آبقاً ولا تجري ما لم تلقوه ، فقالوا : وأنت يا نبي العبد فلا نلقيك ، فاقترعوا فوقعت القرعة عليه ثلاثاً فوقع في الماء ووكل عليه حوت فابتلعه . قال ابن مسعود : فابتلعه الحوت وجرى به حتى أتاه إلى قرار الأرض ، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فاستجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر ( عرياناً ) ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، فجعل يستظلّ بها ، ووكل الله به سخلا يشرب من لبنها ، فيبست الشجرة فبكى عليها ، فأوحى الله إليه : تبكي على شجرة يبست ، ولا تبكي على مائة ألف إنسان أُهلكهم فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى ، فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : من قوم يونس ، قال : إذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس ، قال الغلام : إن كنت يونس فقد تعلم أنه لم يكن لي بينة ، ( فإنْ ) قلت : فمن يشهد لي ؟ قال يونس : يشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة ، قال الغلام : أراهما ؟ قال يونس : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له ، قالا :