ابن عربي

30

تفسير ابن عربي

وذلك مقام الاستقامة إلى الله والقيام بحقائق العبودية لله ، ولا تتجلى ناصية التوحيد ولا يحصل مقام التجرد والتفريد إلا به ، ولذلك عقبه بقوله : * ( إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ) * إذ يكون السالك قبل ذلك مصليا إلى قبلتين ، مترددا في العبادة بين جهتين ، متخذ الإلهين * ( وسع كل شيء علما ) * أي : يتحقق هناك التوحيد بالفعل ، وتظهر إحاطة علمه بكل شيء وحدوده وغاياته فتقف كل قوة بنور الحق وقدرته على حدها في عبادته وطاعته عائذة به عن حولها وقوتها ، عابدة له بحسب وسعها وطاقتها ، شاهدة إياه ، مقرة بربوبيته بقدر ما أعطاها من معرفته . مثل ذلك القصص * ( نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) * من أحوال السالكين الذين سبقوا ، ومقاماتهم لتثبيت فؤادك وتمكينك في مقام الاستقامة كما أمرت * ( وقد آتيناك من لدنك ذكرا ) * أي : ذكرا ما أعظمه وهو : ذكر الذات الذي يشمل مراتب التوحيد . * ( من أعرض عنه ) * بالتوجه إلى جانب الرجس وحيز الطبع والنفس * ( فإنه يحمل يوم القيامة ) * الصغرى وزر الهيئات المثقلة الجرمانية ، وآثام تعلقات المواد الهيولانية . * ( يوم ينفخ ) * الحياة * ( في الصور ) * الجسمانية ، برد الأرواح إلى الأجساد * ( ونحشر المجرمين ) * الملازمين للأجرام * ( زرقا ) * عميا ، بيض سواد العيون ، أو شوها في غاية قبح المناظر ، يحسن عندها القردة والخنازير ، يسرون الكلام لشدة الخوف أو عدم القدرة على النطق ، ويستقصرون مدة اللبث في الحياة الدنيوية لسرعة انقضائها وكل من كان أرجح عقلا منهم كان أشد استقصارا إياها . تفسير سورة طه من [ آية 105 - 110 ] * ( ويسألونك عن الجبال ) * أي : وجودات الأبدان * ( فقل ينسفها ربي ) * برياح الحوادث رميما ورفاتا ثم هباء منثورا ، فيسويها بالأرض لا بقية منها ولا أثر . أو حوادث الأشياء فقل : ينسفها ربي برياح النفحات الإلهية الناشئة عن معدن الأحدية * ( فيذرها ) * في القيامة الكبرى * ( قاعا صفصفا ) * وجودا أحديا صرفا * ( لا ترى فيها ) * إثنينية ولا غيرية ، فتقدح في استوائها . * ( يومئذ ) * يوم إذ قامت القيامة الكبرى * ( يتبعون الداعي ) * الذي هو الحق ، لا حراك بهم ولا حياة لهم إلا به * ( لا عوج له ) * أي : لا انحراف عنه ولا زيغ عن سمته إذ هو آخذ بناصيتهم وهو على صراط مستقيم ، فهم يسيرون بسيرة الحق على مقتضى