العلامة المجلسي
217
بحار الأنوار
لأبيك علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يوما : ( لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك قولا لا تمر بملاء إلا أخذوا من تراب قدميك يستشفون به ) وقال علي ( عليه السلام ) : ( يهلك في اثنان : محب مفرط ، ومبغض مفرط ) فالاعتذار منه أن لا يرضى بما يقول فيه المفرط ، ولعمري أن عيسى بن مريم عليهما السلام لو سكت عما قالت فيه النصارى لعذبه الله ، وقد نعلم ما يقال فيك من الزور والبهتان ، وإمساكك عمن يقول ذلك فيك ورضاك به سخط الديان ، زعم أوغاد الشام وأوباش العراق ( 1 ) أنك حبر الدهر وناموسه ، وحجة المعبود وترجمانه ، وعيبة علمه ( 2 ) وميزان قسطه ، ومصباحه الذي يقطع به الطالب عرض الظلمة إلى فضاء النور ، وإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من عامل جهل حقك في الدنيا عملا ، ولا يرفع له يوم القيامة وزنا ، فنسبوك إلى غير حدك ، وقالوا فيك ما ليس فيك ، فقل فإن أول من قال الحق لجدك ، وأول من صدقه عليه أبوك ( عليه السلام ) ، فأنت حري بأن تقتص آثارهما ، ( 3 ) وتسلك سبيلهما . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أنا فرع من فروع الزيتونة ، وقنديل من قناديل بيت النبوة ، وسليل الرسالة ، وأديب السفرة ، وربيب الكرام البررة ، ومصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور ، وصفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر . فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال : قد أحالني على بحر مواج لا يدرك طرفه ، ولا يبلغ عمقه ، تغرق فيه السبحاء ويحار فيه العلماء ، ويضيق بالسامع عرض الفضاء ، هذا الشجا ( 4 ) المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يحل قتله ، ولا يجوز نفيه ، ولولا ما تجمعني وإياه من شجرة مباركة طاب أصلها وبسق فرعها ( 5 ) وعذب ثمرها بوركت في
--> ( 1 ) الأوغاد جمع الوغد : الضعيف العقل ، الأحمق الدنى . الأوباش : سفلة الناس وأخلاطهم . ( 2 ) الحبر : الزينة والسرور والنعمة . العالم الصالح . رئيس الدين . وفى نسخة : إنك خير الدهر . الناموس : صاحب السر المطلع على باطن امرك ، الحاذق . والعيبة : ما تجعل فيه الثياب كالصندوق . ( 3 ) اقتص أثره : اتبعه . وفى نسخة : فأنت حرى بأن تقفى آثارهما . ( 4 ) الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم وغيره . ( 5 ) أي ارتفعت أغصانها .