العلامة المجلسي
169
بحار الأنوار
كما سخروا ، وهم خلق رقيق غذاؤهم التنسم ، والدليل على ذلك صعودهم ( 1 ) إلى السماء لاستراق السمع ، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلا بسلم أو سبب ( 2 ) قال : فأخبرني عن السحر ما أصله ؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل ؟ قال إن السحر على وجوه شتى : وجه منها بمنزلة الطب كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر احتالوا لكل صحة آفة ، ولكل عافية عاهة ، ولكل معنى حيلة . ونوع منه آخر خطفة وسرعة ومخاريق وخفة . ( 3 ) ونوع منه ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم . قال : فمن أين علم الشياطين السحر ؟ قال : من حيث عرف الأطباء الطب ، بعضه تجربة ، وبعضه علاج . قال : فما تقول في الملكين : هاروت وماروت وما يقول الناس بأنهما يعلمان الناس السحر ؟ قال : إنهما موضع ابتلاء وموقف فتنة ، تسبيحهما : اليوم لو فعل الانسان كذا وكذا لكان كذا ، ولو يعالج بكذا وكذا لصار كذا ، أصناف سحر فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم : إنما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم ولا ينفعكم . قال : أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب والحمار أو غير ذلك ؟ قال : هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله ، إن من أبطل ما ركبه الله وصوره وغيره فهو شريك لله في خلقه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهموم والآفة والأمراض ، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته ، وإن من أكبر السحر النميمة ، يفرق بها بين المتحابين ، ويجلب العداوة على المتصافيين ، ( 4 ) ويسفك بها الدماء ، ويهدم بها الدور ، ويكشف الستور ، والنمام أشر من وطئ على الأرض بقدم ، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنه بمنزلة الطب ،
--> ( 1 ) في المصدر : غذاؤهم النسيم ، والدليل على كل ذلك ا ه ( 2 ) فيه بيان إمكان الصعود إلى سائر الكرات بالأسباب ، كما أن ذلك يستفاد أيضا من قوله تعالى : ( يا معشر الجن والإنس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان ) ( 3 ) الخطفة : الاختلاس والاستلاب بسرعة . والخفة : ضد الثقل في العمل وغيره . ( 4 ) تصافى القوم : أخلص الود بعضهم لبعض .