العلامة المجلسي

2

بحار الأنوار

بروحه ، واختارهم على جميع بريته ، لهم سمكت المسموكات ، ودحيت المدحوات ، وبهم رست الراسيات واستقر العرش على السماوات ، وبأسرار علمهم أينعت ( 1 ) ثمار العرفان في قلوب المؤمنين ، وبأمطار فضلهم جرت أنهار الحكمة في صدور الموقنين ، فصلوات الله عليهم ما دامت الصلوات عليهم وسيلة إلى تحصيل المثوبات ، والثناء عليهم ذريعة لرفع الدرجات . ولعنة الله على أعدائهم ما كانت دركات الجحيم معدة لشدائد العقوبات . واللعن على أعداء الدين معدودة من أفضل العبادات . أما بعد : فيقول الفقير إلى رحمة ربه الغافر ابن المنتقل إلى رياض القدس محمد تقي طيب الله رمسه محمد باقر عفى الله عن جرائمهما وحشرهما مع أئمتهما ( 2 ) : إعلموا يا معاشر الطالبين للحق واليقين المتمسكين بعروة اتباع أهل بيت سيد المرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - أني كنت في عنفوان شبابي حريصا على طلب العلوم بأنواعها ، مولعا باجتناء فنون المعالي من أفنانها ( 3 ) فبفضل الله سبحانه وردت حياضها وأتيت رياضها ، وعثرت على صحاحها ومراضها ، حتى ملأت كمي من ألوان ثمارها ، واحتوى جيبي على أصناف خيارها ، وشربت من كل منهل ( 4 ) جرعة روية وأخذت من كل بيدر حفنة ( 5 ) مغنية ، فنظرت إلى ثمرات تلك العلوم وغاياتها ، وتفكرت في أغراض المحصلين وما يحثهم على البلوغ إلى نهاياتها ، وتأملت فيما ينفع منها في المعاد ، وتبصرت فيما يوصل منها إلى الرشاد ، فأيقنت بفضله وإلهامه تعالى أن زلال العلم لا ينقع ( 6 ) إلا إذا أخذ من عين صافية نبعت عن ينابيع الوحي والالهام ، وأن الحكمة لا تنجع ( 7 ) إذا لم تؤخذ من نواميس الدين ومعاقل الأنام .

--> ( 1 ) ينع الثمر : نضج ، وأينع مثله . ( 2 ) تقدم الكلام في ترجمته وترجمة والده أعلى الله مقامهما في المقدمة الأولى . ( 3 ) شجرة ذات أفنان : ذات أغصان . ( 4 ) المنهل : المورد ، وهو عين ماء ترده الإبل في المراعى . ( 5 ) البيدر : الموضع الذي يداس فيه الطعام . والحفنة : ملء الكفين من طعام . ( 6 ) نقع الماء العطش : سكنه . ( 7 ) نجع الطعام : هنا أكله . وقد نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء : دخل وأثر .