العلامة المجلسي
3
بحار الأنوار
فوجدت العلم كله في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأخبار أهل بيت الرسالة الذين جعلهم الله خزانا لعلمه وتراجمة لوحيه ، وعلمت أن علم القرآن لا يفي أحلام العباد باستنباطه على اليقين ، ولا يحيط به إلا من انتجبه الله لذلك من أئمة الدين ، الذين نزل في بيتهم الروح الأمين . فتركت ما ضيعت زمانا من عمري فيه ، مع كونه هو الرائج في دهرنا ، وأقبلت على ما علمت أنه سينفعني في معادي ، مع كونه كاسدا في عصرنا . فاخترت الفحص عن أخبار الأئمة الطاهرين الأبرار سلام الله عليهم ، وأخذت في البحث عنها ، وأعطيت النظر فيها حقه ، وأوفيت التدرب فيها حظه . ولعمري لقد وجدتها سفينة نجاة ، مشحونة بذخائر السعادات ، وألفيتها ( 1 ) فلكا مزينا بالنيرات المنجية عن ظلم الجهالات ، ورأيت سبلها لائحة ، وطرقها واضحة ، وأعلام الهداية والفلاح على مسالكها مرفوعة ، وأصوات الداعين إلى الفوز والنجاح في مناهجها مسموعة ، ووصلت في سلوك شوارعها إلى رياض نضرة ، وحدائق خضرة ، مزينة بأزهار كل علم وثمار كل حكمة ، وأبصرت في طي منازلها طرقا مسلوكة معمورة ، موصلة إلى كل شرف ومنزلة . فلم أعثر على حكمة إلا وفيها صفوها ، ولم أظفر بحقيقة إلا وفيها أصلها . ثم بعد الإحاطة بالكتب المتداولة المشهورة تتبعت الأصول المعتبرة المهجورة التي تركت في الأعصار المتطاولة والأزمان المتمادية إما : لاستيلاء سلاطين المخالفين وأئمة الضلال . أو : لرواج العلوم الباطلة بين الجهال المدعين للفضل والكمال . أو : لقلة اعتناء جماعة من المتأخرين بها ، اكتفاءا بما اشتهر منها . لكونها أجمع وأكفى وأكمل وأشفى من كل واحد منها . فطفقت أسأل عنها في شرق البلاد وغربها حينا ، وألح في الطلب لدى كل من أظن عنده شيئا من ذلك وإن كان به ضنينا ( 2 ) . ولقد ساعدني على ذلك جماعة من
--> ( 1 ) ألفيت الشئ : وجدته . ( 2 ) الضنين : البخيل ، أي وإن كان في إعطائه كل أحد بخيلا إما : لنفاسة نسخه أو لندرتها .