أبي حيان الأندلسي
11
تفسير البحر المحيط
وهذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتل ولا قتال ولا نهب ، وتقدّم الكلام في أول مرة في سورة التوبة . * ( وَلِيُتَبّرُواْ ) * بهلكوا . وقال قطرب : يهدموا . قال الشاعر : * فما الناس إلاّ عاملان فعامل * يتبر ما يبني وآخر رافع * والظاهر أن * ( مَا ) * مفعولة بيتبروا أي يهلكوا ما غلبوا عليه من الأقطار ، ويحتمل أن تكون ما ظرفية أي مدة استيلائهم عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الثانية إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي ، وهذه الترجئة ليست لرجوع دولة وإنما هي من باب ترحم المطيع منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمداً عليهما السلام فلم يفعلوا . * ( وَإِنْ عُدتُّمْ ) * إلى المعصية مرة ثالثة عدنا إلى العقوبة وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الأتاوة عليهم . وعن الحسن عادوا فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ) فهم يطعون الجزية عن يد وهم صاغرون . وعن قتادة : ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منه في عذاب إلى يوم القيامة انتهى . ومعنى * ( عُدْنَا ) * أي في الدنيا إلى العقوبة . وقال تعالى : * ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوء الْعَذَابِ ) * ثم ذكر ما أعدّ لهم في الآخرة وهو جعل جهنم لهم * ( حَصِيرًا ) * والحصير السجن . قال لبيد : * ومقامه غلب الرجال كأنهم * جن لدى باب الحصير قيام * وقال الحسن : يعني فراشاً ، وعنه أيضاً هو مأخوذ من الحصر والذي يظهر أنها حاصرة لهم محيطة بهم من جميع جهاتهم ، فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول : رحيمة وعليمة ، ولكنه على معنى النسب كقوله السماء منفطر به أي ذات انفطار . * ( إِنَّ هَاذَا الْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً * وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) * . لما ذكر تعالى من اختصه بالإسراء وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ومن آتاه التوراة وهو موسى عليه السلام وأنها هدى لبني إسرائيل ، وذكر ما قضى عليهم فيها من التسليط عليهم بذنوبهم ، كان ذلك رادعاً من عقل عن معاصي الله فذكر ما شرف الله به رسوله من القرآن الناسخ لحكم التوراة وكل كتاب إلهي ، وأنه يهدي للطريقة أو الحالة التي هي أقوم . وقال الضحاك والكلبي والفراء * ( الَّتِى هِىَ * أَقْوَمُ ) * هي شهادة التوحيد . وقال مقاتل : للأوامر والنواهي و * ( أَقْوَمُ ) * هنا أفعل التفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ، والذي يظهر من حيث المعنى أن * ( أَقْوَمُ ) * هنا لا يراد بها التفضيل إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها ، وفضلت هذه