أبي حيان الأندلسي
12
تفسير البحر المحيط
عليها وإنما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال : * ( وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ ) * * ( وَفِيهَا * كُتُبٌ قَيّمَةٌ ) * أي مستقيمة الطريقة ، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين . وقال الزمخشري : * ( الَّتِى هِىَ * أَقْوَمُ ) * للحالة التي هي أقوم الحالات وأشدّها أو للملة أو للطريقة ، وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف لما في إبهام الموصوف لحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه انتهى . * ( وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ) * قيد في الإيمان الكامل إذ العمل هو كمال الإيمان ، نبه على الحالة الكاملة ليتحلى بها المؤمن ، والمؤمن المفرط في علمه له بإيمانه حظ في عمل الصالحات والأجر الكبير الجنة . وقال الزمخشري : فإن قلت كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ قلت : كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي ، وإما مشرك ، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك انتهى . وهذا مكابرة بل وقع في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ) من بعض المؤمنين هنات وسقطات بعضها مذكور في القرآن ، وبعضها مذكور في الحديث الصحيح الثابت . * ( وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ ) * عطف على قوله : * ( أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) * بشروا بفوزهم بالجنة وبكينونة العذاب الأليم لأعدائهم الكفار ، إذ في علم المؤمنين بذلك وتبشيرهم به مسرة لهم ، فهما بشارتان وفيه وعيد للكفارة . وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد ويخبر بأن الذين لا يؤمنون انتهى . فلا بكون إذ ذاك داخلاً تحت البشارة . وفي قوله : * ( وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ ) * دليل على أن من آمن بالآخرة لا يعدّ له عذاب أليم ، وأنه ليس عمل الصالحات شرطاً في نجاته من العذاب . وقرأ الجمهور * ( وَيُبَشّرُ ) * مشدّداً مضارع بشر المشدّد . وقرأ عبد الله وطلحة وابن وثاب والأخوان * ( وَيُبَشّرُ ) * مضارع بشر المخفف ومعنى * ( أَعْتَدْنَا ) * أعددنا وهيأنا ، وهذه الآية جاءت عقب ذكر أحوال اليهود ، واندرجوا فيمن لا يؤمن بالآخرة لأن أكثرهم لا يقول بالثواب والعقاب الجسماني وبعضهم قال : * ( لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ) * فلم يؤمنوا بالآخرة حقيقة الإيمان بها . * ( وَيَدْعُ الإِنْسَانُ ) * قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : نزلت ذامّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في أوقات الغضب والضجر ، ومناسبتها لما قبلها أن بعض من لا يؤمن بالآخرة كان يدعو على نفسه بتعجيل ما وعد به من الشر في الآخرة ، كقول النضر : * ( فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ) * الآية . وكتب * ( وَيَدْعُ ) * بغير واو على حسب السمع والإنسان هنا ليس واحداً معيناً ، والمعنى أن في طباع الإنسان أنه إذا ضجر وغضب دعا على نفسه وأهله وماله بالشر أن يصيبه كما يدعو بالخير أن يصيبه ، ثم ذكر تعالى أن ذلك من عدم تثبته وقلة صبره . وعن سلمان الفارسي وابن عباس : أشار به إلى آدم لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر ، فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقه أعجبته نفسه فذهب يمشي مستعجلاً فلم يقدر ، أو المعنى ذو عجلة موروثة من أبيكم انتهى . وهذا القول تنبو عنه ألفاظ الآية . وقالت فرقة : هذه الآية ذم لقريش الذين قالوا : * ( اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ) * الآية . وكان الأولى أن يقولوا : فاهدنا إليه وارحمنا . وقالت فرقة : هي معاتبة للناس على أنهم إذا نالهم شر وضر دعوا وألحوا في الدعاء واستعجلوا الفرج ، مثل الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير انتهى . والباء في * ( بِالشَّرّ ) * و * ( بِالْخَيْرِ ) * على هذا بمعنى في ، والمدعوّ به ليس الشر ولا الخير ، ويراد على هذا أن تكون حالتاه في الشر والخير متساويتين في الدعاء والتضرّع لله والرغبة والذكر ، ويبنو عن هذا المعنى قوله : * ( دُعَاءهُ ) * إذ هو مصدر تشبيهي يقتضي وجوده ، وفي هذا القول شبه * ( دُعَاءهُ ) * في حالة الشر بدعاء مقصود كان ينبغي أن يوجد في حالة الخير . وقيل : المعنى * ( وَيَدْعُ الإِنْسَانُ ) * في طلب المحرم كما يدعو في طلب المباح * ( وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءايَتَيْنِ ) * لما ذكر تعالى القرآن وأنه هاد إلى الطريقة المستقيمة ذكر ما أنعم به مما لم يكمل الانتفاع إلاّ به ، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوي ، وأيضاً لما ذكر عجلة الإنسان وانتقاله من حال إلى حال ذكر أن كل هذا العالم كذلك