العيني
70
عمدة القاري
ومن الذي يستفاد من حديث الباب : ظهور معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الريح التي تهب ، وما ذكر في تلك القصة . وفيه : تدريب الأتباع وتعليمهم وأخذ الحذر مما يتوقع الخوف منه . وفيه : فضل المدينة . وفيه : فضل أحد . وفيه : فضل الأنصار ، رضي الله تعالى عنهم . وفيه : قبول هدية الكفار . وفيه : جواز الإهداء لملك الكفار وجواز إقطاع أرض لهم . وفيه : أن المخالفة لما قاله الرسول تورث شدة وبلاء . قال أبُو عَبْدِ الله كُلُّ بُسْتَانٍ عليه حائِطٌ فَهْوَ حدِيقَةٌ وَما لَمْ يَكُنْ عليه حائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وفي بعض النسخ : قال أبو عبيد الله ، هو القاسم بن سلام الإمام المشهور صاحب ( الغريب ) وقد ذكر هذا فيه ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً عن قريب . 55 ( ( بابُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وبِالمَاءِ الجَارِي ) ) أي : هذا باب في بيان حكم أخذ العُشر في الأرض التي تسقى من ماء السماء وهو المطر . قوله : ( والماء الجاري ) أي : ومن الذي يسقى بالماء الجاري ، وإنما اختار لفظ : الماء الجاري ، والحال أن المذكور في حديث الباب هو العيون لعمومه وشموله العيون والأنهار ، وهذا كما وقع في ( سنن أبي داود ) : ( فيما سقت السماء والأنهار والعيون . . . ) الحديث . ولَمْ يَرَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ في العَسَلِ شَيْئا مطابقته للترجمة من حيث إن العسل فيه جريان ، ومن طبعه الانحدار فيناسب الماء من هذه الجهة . وقيل : المناسبة فيه من جهة أن الحديث يدل على أن لا عشر فيه لأنه خص العشر أو نصفه بما يسقى ، فأفهم أن ما لا يسقى لا يعشر ، وفيه نظر ، لأن ما لا يعسر مما لا يسقى كثير ، فما وجه ذكر العسل ؟ وقيل : إدخاله العسل فيه للتنبيه على الخلاف فيه ، وأنه لا يرى فيه زكاة ، وإن كانت النحل تغتذي مما يسقى من السماء . قلت : هذا أبعد من الأول على ما لا يخفى على المتأمل . وهذا الموضع يحتاج إلى بيان ما ورد فيه من الأخبار ، وما ذهب إليه الأئمة ، فنقول بحول الله وقوته وتوفيقه . قال الترمذي : باب ما جاء في زكاة العسل ، حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي عن صدقة بن عبد الله عن موسى ابن يسار عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في العسل في كل عشرة أزق زق ) . ثم قال : وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سيارة المنعي ، وعبد الله بن عمرو ، قال أبو عيسى : حديث ابن عمر في إسناده مقال ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير شيء ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، وبه يقول أحمد وإسحاق . وقال بعض أهل العلم : ليس في العسل شيء . انتهى . قلت : انفرد الترمذي بحديث ابن عمر هذا ، وروى البيهقي من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال : ( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر ) ، وفي إسناده عبد الله بن المحرر ، بتشديد الراء المفتوحة وتكرارها ، وهو متروك . قال ابن معين : ليس بثقة ، وقال أحمد : ترك الناس حديثه ، وقال الجوزجاني : هالك ، وقال ابن حبان : من خيار عباد الله إلاَّ أنه كان يكذب ولا يعلم ، ويقلب الأخبار ولا يفهم . وروى أبو داود الطيالسي حديث أبي سيار المنعي ، قال : ( قلت : يا رسول الله إن لي نخلاً ! قال : إذن تعشر ؟ قلت : إحم لي جبلة ، فحماه لي ) ورواه البيهقي ، وقال : وهذا أصح ما روي في وجوب العشر فيه ، وهو منقطع . قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا فقال : حديث مرسل ، وإنما قال : مرسل ، لأن فيه سليمان بن موسى يروي عن أبي سيارة ، وسليمان لم يدركه ، ولا أحدا من الصحابة ، وأبو سيارة المتعي اسمه : عميرة بن الأعلم ، وقيل : عمير بن الأعلم ، ذكره أبو عمر في ( كتاب الأنساب ) . وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : جاء أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور بحل له ، وكان سأله أن يحمي واديا يقال له : سلبة ، فحمى له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذلك الوادي ، فلما ولي عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهما ، يسأله عن ذلك ؟ فكتب عمر ، رضي الله